منوعات

كُن صديقي

كُن صديقي

يقفُ هو على حافةِ الهاويةِ تمامًا، يفصِلُه عن الغرقِ ثانيتان إذا أرادَ أن يسقُطَ سقوطًا حُرا من هُنا، يسألني أن يا صديقي؛ أتعلمُ أنها رشفةٌ زائدة؟ هل تعلمُ أن تلك الجوارِح التي تتحركُ أمامكَ الآن تنتظرُ إشارةَ يأسٍ لتسقُطَ متهاويةٍ في فلكِ الفضاء قبل أن يواريها البحرُ بينَ ذراتِه، فتستميت في النجاةِ ثم يُقرر الجسدُ أن يستسلِمَ فيغرق وتسكتُ أجزاؤه قبيلَ خفوتِها تمامًا؟ لأسألهُ وما الجدوى؟
غضبٌ مفرطٌ أكسبهُ وجهًا مقفرًا وحُزنًا دفينًا هُنا، سَخِطَ على الأبِ والأمِ والحبيبة والصاحب، أخبرتُه أنهُ إن لم يكن ثمةَ أحدٌ، فأنا صديقُكَ وسأبقى هُنا.. لكِن لخاطِري لا تفعلها، أنا بِجوارِكَ وسأظلُ لتغمُره ابتسامةٌ ويَعدِل عن فِكرَتهِ ونمضي، نُكمل تسكُعًا في شوارِع الأسكندريةِ لا نلوي على شئ، أنا فقط أهتمُ بأن يكونَ بخير، لأن مُصابًا يبدو أنهُ قد ألم به.
أحسستُ يومَهًا صوتًا خافِتًا فيهِ يُناديني، يقولُ لا تُمهِلني قراري، أنا بحاجةٍ إليك أكثر مما تظن أنه قد يكفيني، أنا في حاجةٍ إلى همس كلماتك المشوبة بالحُب في كل صباح ومساء، أحتاجُها فقط حتى أنجو يا صديقي، كُن صديقي بحق ولا تبرح مقعدك الذي في جواري، أتمم جمِيلَكَ ولا تبرحني، لا تتوقَف عن ثرثرتِكَ التي تظُن أنها تؤذيني، أنتَ تعلمُ وقع كلماتِكَ علي، ووقع خُطانا معًا أيضًا.. هو لَم ينطِق شيئًا، أشارَ إلي وقالَ: بِنا يا صديقي.
أنا أيضًا أحزَن، يتملكني كمٌ هائلٌ من العجزِ والكدر، أضعُ وجهي متكومًا في يدي وأهم بالبُكاء، يسألني ما بِك.. أغادِرُه مُسرعًا إلى حيثُ لا أحد، تنسابُ العبراتُ من مقلتيّ في غزارةٍ لم أشهدهَا، أكتُم صوتي لألا ينتبِهَ أحدهُم لخبري، تمُر خمسُ دقائِق، يُفتح الباب.. أحاوِلُ أن أواري علاماتِ الدمعِ التي خطت في وجهي، يقول لا تُواري.. أنا هُنا يا صديقي، لا تستحي، لا تقصص وجعَكَ ولكن ابكِ.. ابكِ إن كانَ البُكاءُ يُزيحُ همًا أو يرفَعُ كدرًا، لا تستحي فالرجالُ يبكونَ أيضًا، دعكَ من ما قيلَ في صِبانَا أنَّا لا نبكي، ابكِ.. إذا أرَّقكَ الدمعُ، أسقطهُ وامضِ.. الدمعُ هُنا لا يتوقَف، استمررتُ على حالي هذا لساعة.
يقفُ هو على حافةِ الهاويةِ تمامًا، يفصِلُه عن الغرقِ ثانيتان إذا أرادَ أن يسقُطَ سقوطًا حُرا من هُنا، يسألني أن يا صديقي؛ أتعلمُ أنها رشفةٌ زائدة؟ هل تعلمُ أن تلك الجوارِح التي تتحركُ أمامكَ الآن تنتظرُ إشارةَ يأسٍ لتسقُطَ متهاويةٍ في فلكِ الفضاء قبل أن يواريها البحرُ بينَ ذراتِه، فتستميت في النجاةِ ثم يُقرر الجسدُ أن يستسلِمَ فيغرق وتسكتُ أجزاؤه قبيلَ خفوتِها تمامًا؟ لأسألهُ وما الجدوى؟
غضبٌ مفرطٌ أكسبهُ وجهًا مقفرًا وحُزنًا دفينًا هُنا، سَخِطَ على الأبِ والأمِ والحبيبة والصاحب، أخبرتُه أنهُ إن لم يكن ثمةَ أحدٌ، فأنا صديقُكَ وسأبقى هُنا.. لكِن لخاطِري لا تفعلها، أنا بِجوارِكَ وسأظلُ لتغمُره ابتسامةٌ ويَعدِل عن فِكرَتهِ ونمضي، نُكمل تسكُعًا في شوارِع الأسكندريةِ لا نلوي على شئ، أنا فقط أهتمُ بأن يكونَ بخير، لأن مُصابًا يبدو أنهُ قد ألم به.
أحسستُ يومَهًا صوتًا خافِتًا فيهِ يُناديني، يقولُ لا تُمهِلني قراري، أنا بحاجةٍ إليك أكثر مما تظن أنه قد يكفيني، أنا في حاجةٍ إلى همس كلماتك المشوبة بالحُب في كل صباح ومساء، أحتاجُها فقط حتى أنجو يا صديقي، كُن صديقي بحق ولا تبرح مقعدك الذي في جواري، أتمم جمِيلَكَ ولا تبرحني، لا تتوقَف عن ثرثرتِكَ التي تظُن أنها تؤذيني، أنتَ تعلمُ وقع كلماتِكَ علي، ووقع خُطانا معًا أيضًا.. هو لَم ينطِق شيئًا، أشارَ إلي وقالَ: بِنا يا صديقي.
أنا أيضًا أحزَن، يتملكني كمٌ هائلٌ من العجزِ والكدر، أضعُ وجهي متكومًا في يدي وأهم بالبُكاء، يسألني ما بِك.. أغادِرُه مُسرعًا إلى حيثُ لا أحد، تنسابُ العبراتُ من مقلتيّ في غزارةٍ لم أشهدهَا، أكتُم صوتي لألا ينتبِهَ أحدهُم لخبري، تمُر خمسُ دقائِق، يُفتح الباب.. أحاوِلُ أن أواري علاماتِ الدمعِ التي خطت في وجهي، يقول لا تُواري.. أنا هُنا يا صديقي، لا تستحي، لا تقصص وجعَكَ ولكن ابكِ.. ابكِ إن كانَ البُكاءُ يُزيحُ همًا أو يرفَعُ كدرًا، لا تستحي فالرجالُ يبكونَ أيضًا، دعكَ من ما قيلَ في صِبانَا أنَّا لا نبكي، ابكِ.. إذا أرَّقكَ الدمعُ، أسقطهُ وامضِ.. الدمعُ هُنا لا يتوقَف، استمررتُ على حالي هذا لساعة.
كُن صديقي يا صديقي ولا تبتعد فالحياةُ تيهٌ ما دمت أسلُكُها دُونك، وبأسٌ ما دمتُ أقطعهُا سِواك، فكن صديقي ولا تبرح

وصديقي لا ينطِقُ إلا بقولٍ جميلٍ مثلِه، سئم من سؤاله مابكَ، ولم يسأم من الجلوسِ بجانبي ولا أظنهُ وإن طالت جلستي أنه قد يسأم. تدخلَ صديقانِ أيضًا، كانَ شُغلُهما إضحاكي، كُلُ ما أراداهُ في هذه الساعةِ أن أضحَك، عانقتُهم أخيرًا جميعًا، وضحكت.. ضحكتُ لأن صديقي كانَ إلى جِوارِي، لَم يُثقِل عليَّ ولم يضنِ، قالَ ما كُنت بصدد أن أسألهُ عنه وكفى.

من صدِيقي؟ هو أحدُهم الذي لم يكتفِ بجميلٍ صنعه، ولم يقف أمامي يومًا ليذَكِرني بِه، ولم يسألني أبدًا ردَّه.. هو أولُ من أطرقُ بابَهُ إذا أُصِبتُ بِضرر، أو ما إذا اجتاحني فرح، هو الذي لا يعنيهِ قولي ارحَل فيظل متمسِكًا مهما علت أمواجُ ضجري أو آفاتُ حُزني، هو الذي ما إن تخاصَمنا حتى أجدهُ نعم الذي يغفر، وأفضلُ من ينسى، حتى تلتئم أقدامُنا في مباراةِ كُرة.. أو حَناجِرنَا في صراعِ بلاي ستيشن، أو أيادِينا في عراكِ بالأيدي، ذاكَ صديقي الذي لا يعنيهِ من كُلِ ذلكَ إلا أنني صديقُه.صديقي الذي هاتفني أمس ليقول لي إنه يحبني فقط لأنني عبد الرحمن وليس لأي هم آخر، وهذا الذي لم يمهلني حينما سألته أمرًا فكلف صديقًا له يتمه لي، وهؤلاء الذين لا أحتاط في الحديث معهم ولا أجد حرجًا في أن أتلفظ بالكلمة معهم دون تنقيح، صديقي الذي ما إن نسيتُ منشورًا -لم أحكم جعله لي وحدي- فدخل يخفف عني، صديقي الذي أحس بأني جائع يوم المؤتمر فكلف نفسه ما يعدل الكيلومتر مشيًا ليعطيني ما أسد به رمقي، وهذا الأخير الذي جلس جواري يوم بكيت.. وقال لا يعنيك شيء، ابكِ وسأجفف أنا دمعك؛ ليتركني أضحك وقتئذ، هذا لي نعمَ الصديق وخير الأخِ، وأفضلُ من جادت علي الدُنيا به.

لذلك فإن عليك أن تعلم يا صديقي أن الحياةَ زاد، وخيرُ زادِهَا صديقٌ يهونُ عليكَ مرارةَ الأيامِ وقسوتِها، ويأخذ بيدكَ إلى جميلِ الدُنيا وحُلوِهَا.. كُن صديقي يا صديقي ولا تبتعد فالحياةُ تيهٌ ما دمت أسلُكُها دُونك، وبأسٌ ما دمتُ أقطعهُا سِواك، فكن صديقي ولا تبرح.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق