أدب

فلتحيا دائمًا عربيتُنا!

اليوم يومُ عربيتي

لم يبرح الإنسان العربي شيئًا إلا وحكى عنه أو قصَّ فيه حتى شكلت الكلماتُ شيئًا كبيرًا جدًا من حياته، فعَنى عنايةً فائقة بتكوين الكلام وتنميقِ الحروف واختيارِ الألفاظ في كلِ شيء أكثر حتى مما يختار في ملبسه، وصارت الكلمةُ التي توصمه تخيفه أكثر من السيفِ الذي ينحرُ فؤاده، جعلَهم هذا حتى قبيل أن ينتشر الإسلامُ بينهم، أصحابَ فضل وأخلاق، يحترمون الحكماء ويمجدون العلماء ويحفظون لأصحاب الكلام حقهم، لأنهم المنوطون بأخذِ حقهم أو استرجاعهِ إن سُلب -شفهيًا-، وهم أولُ الداعين إلى الحربِ إن كان الأمرُ يستلزمُ ذلك.

وكان من تقديسِ العرب للكلامِ والشعر أن القبيلة إذا نبغَ فيها شاعرٌ أتت القبائلُ الأخرى فهأنتهم، وصنعت الأطعمة، واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس، ولا عجب في ذلك لقومٍ كانَ صناعةُ الأدبِ عندهم ليست مجردَ وسيلة ترفيه، بل هي وسيلة للذودِ عن الأعراض والارتقاء بين القبائلِ الأخرى ومجابهة المفاخرِ وما إلى ذلك.

ولما جاءَ الإسلامُ حسَّن ذلك كُله، فأضاف إلى الشعر مذاق الأخلاقِ الرفيعة، وأصبح الكلامُ في مرتبةٍ أخرى، ولم يكن ذلك لشيءٍ غير للعربية، وألفاظها ومترادفاتها وكلماتها وتكوينها، وكانت المعجزة القرآنية كافية لإخضاعِ كبارِ العرب أمامَ كلامٍ خارقٍ لا ينطق عن الهوى، وهُم أساتذة اللغة وأباطرتها الذين يعجزُ العالمين عن مجاراتهم في جمال لغتهم وطلاوتها.

استمرَ الإعجازُ العربي للأممِّ جميعها، فكانت كلمةٌ واحدة بمقدورها أن تخفض أمةً كاملة أو قبيلةً كانت من كُبرى قبائل العرب، فقط لبيتِ شعرٍ هجا قومها. فما مَيز حضارةً عن أخرى هو تارِيخُها، قوتُها، وآثارها، وكلما كانت الحضارةُ فصيحةً في التعبير عن نفسها أكثر كلما كان وجودها في قاموسِ الأمم أقوى، وحضاراتُ الأممِ شاهدةٌ على ذلك تمامًا وهي كثيرة.

لكن العرب، الذين اجتمعوا أولَ أمرهم حولَ بيتٍ من الحجارة، وخلفَ ستائرٍ من التُراب، قومٌ يطوِّعون الأحجار وينقشون على الجبال في مساحةٍ جُلها من الطبيعة الجبلية التي يندر فيها الماء، تأخذ المدينة في الكتابةِ عليها سنينًا من الحفر وقرونًا من الكتابة على أروقتها، يسيرون هم بين هذه الأروقة التي تعادل أجسادهم عشرات المرات، بعمائم صغيرة وفي أواسطهم خناجرٌ صغيرة أو سيوفٌ تتمايل بحركتهم تنتظرُ داعي الحربِ فيهم لتُهبَ مع أولِ نداء، ومع أولِ صُراخٍ يبدأون في شحذِ صهيلِ خيولهم للبدءِ في معركةٍ ضارية.

كُل ذلك كان كفيلًا بتشكيلِ ما هو أبعدُ من الحضارةِ في نفوسهم وأثقلُ من مجردٍ آثارٍ تمضي في النفسِ مضيَّ المادية وثقل الحضارةِ التي وإن طالت تزولُ مع زوالِ الزمن، فكان سلواهم في مشوارِ خضمِ هذا التاريخِ الطويلِ الممتدِ عبر الزمانِ، أن يقفَ الواحِدُ منهم على قارعة الطريقِ فيدعو لقبيلته بفخرٍ، أو يمجدَ قائدهُ في عز، أو يعلو صوتهُ لأمتهِ في جاهٍ وحَسَب لا يملكُ صاحبُ الصوتِ سوى صوتهِ وبضعِ كلماتٍ يُنازِلُ بها ملوكُ بقيةِ القبائل وزعمائهم، وبئسَ القومُ هم إن لم يكن لهم صاحبُ لسانٌ يعتلي جواده ويصدعُ بما صدعَ بهِ صاحبهُ لأجلِ قبيلته.

وللناظرِ أن يرى ويُمعنَ ويتفقد تلك اللغة المحلاة بالضادِ وما بها من الجمالِ الأدبي ما يعجزُ عن منازلتها به فطاحلُ اللغاتِ الأخرى، ولعلَ بإبصارِ تُراثها المترامي -والذي هو قليلٌ بقدرِ ما كُتبَ- نرى أنها دليلٌ على جمالِ ما خُبأته أقلامُ العربِ قديمًا وحديثًا حتى وددت يومًا أن أعيشَ بين دفتي زمانِ العربِ كلها، بدايةً من ميلادِ يعربٍ نفسه، إلى قيامِ الساعةِ واندثارِ العربية، أطالعُ يومًا بيومٍ ما خُطَ في الأدبِ العربي وشعره ونثره، وأنهلُ من كثيرِ ما لم يُنقل إلى أهلِ قرني، وأُذيعُ بصوتي ما عمي الزمانُ عن ذكره، وأرددُ يوميًا؛ أني لو لم أولد عربيًا لشعتُ عربيًا!

فإن العربية عرَبية، ليست هينة أبدًا.. بها من الجمالِ ما يعجزُ غيرُ الناطقِ بها عن مجاراته ولا عن الإتيان بمثله، وإن جرب لغاتِ الدُنيا كُلها وتغزَّل بأجملِ ما كُتبَ في غير الشعر العربي، فلقراءةِ أدبها حلاوة تفوقُ أي حلاوة، والاستمتاعُ بتاريخها له طلاوة لا تضاهيها طلاوةُ، وإنكَ حين تستشعرُ ما في جميلِ بيانِها تعلمُ علمَّ اليقينِ أن ما في هذا البيانِ لم يكن إلا سحرًا.

ولعلَ أفضلَ ما أنهي بهِ هو ما كُتبَ فيها عنها في هذا اليوم:

“اليومُ يومُ حبيبتي            ولها أغنّي شَجَني
كَسَرَتْ حدوداً بينَنا         جَمعَتْ قُلوبَ المُدُنِ”

-اليوم.. يَومُ حبيبتي.

 

  • تم تعديل التدوينة وإضافة بعض الرتوش بواسطة صديقتي العزيزة رضوى محسن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق