أدبخواطرشخصيات

غسان كنفاني؛ فارسُ اللبدة الذي بكى العودة دون دموع

الثائرُ المُحب.

غسان كنفاني، أحد أعظم من مس الحبر في القرن العشرين، فيلسوف ومناضل وبطل شهيد، أثبت بحق أن الكلمة قد تكون أقوى من المدافع والرشاشات والطائرات والحروب كُلها، أثبت أن كلمة في صحيفة أو جريدة أو رواية قد تكون طلقة أقوى من تلك التي تفتك ببلدٍ أو تسوي أخرى بالأرض، وإلا ما استهدفه الموساد ليُردى قتيلًا وهو بعد لم يتخطى عُمر الشباب!

أنتج غسان مجموعة كبيرة من الإرث الأدبي الإبداعي رغم صغر سنه الذي استشهد فيه، ظل إلى اليوم أيقونة يحتذى بها ويُنظر إليها على أنها أحدُ الركائز الأساسية في المقاومة الفلسطينية في فترة فاصلة في تاريخ فلسطين بالقلم والقلم فقط، هذا بالإضافة إلى كونه مريضًا بالسكري ولديه مشاكل اجتماعية تساعد في حرقه الداخلي -واسألني عن الحرقِ الداخلي إن أردت-، لكن شيئًا من هذا لم يثنه على أن يصدع بالحق في مقالاته السياسية أو مشاركاته في حركة القوميين العرب أو رواياته الخالدة.

غسان؛ ذاكَ الذي أحبَ قلبًا لفظه، وتاهَ بينَ ضلوعٍ كرهَت حُبه، سقطَ تواليًا في خيباتِ عِشقه، وتعبَ من حُبِ امرأةٍ اعتادت البُعد ولا تكترث سوى بأنوثتها، وتركتهُ حتى بعدَ موته يُشفِقُ الناس عليه ويسخرون من حُبه، ويشبهونهُ بالمجنونِ لكُثرِ ما تعلق.

“-أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث ذلك كله .” عائد إلى حيفا.

كيف تكون العودة إلى الوطن بعد عشرين سنة من النفي الإجباري، بل قل كيف يعود أحدهم ليبحث عن طفله الذي فارقه رضيعًا بعد عشرين سنة، سنة تليها أخرى تشعل نيرانًا في صدر أم قد تتمنى له الموت على أن يُربى في بيتٍ يهودي، ويعيشُ الأب في أمل كاذبٍ يخبره أن اللقاء قد يحينُ يومًا ويوم حان؛ تمنى ثلاثتهما أنه لم يكن. 

أتعرفين ما الوطن يا صفية؟
تستعرض رواية غسان كنفاني “عائد إلى حيفا” هذا المعنى التائه عن الكثير من الفلسطينيين في تلك الفترة. العديد منهم لم يولدوا فيها، إلا أنهم شُغفوا بها وقاتلوا لأجلها واستماتوا من أجل تحريرها، ومنهم من مات على حدودها ولم يُكتب له أبدًا أن يلجها أو أن يتسكع في شوارعها، الوطن هو الذي سكن في قلب “خالد” ولم يره، وكان يجادل سعيد وزوجه ابنهما الضائع خلدون عنه دون أن يدركه، الوطن في عائد إلى حيفا هو النداء الذي قُبر في الصدر فثار هذا أو تلك من أجله “عميانيًا” دون أي ترتيب أو تنميق. 

“الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقًا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود… ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي… أهذا ما تقوله لي الآن؟ أهذا هو سلاحك التافه المغلول”. 

 

تحميل كتاب عائد إلى حيفا غسان كنفاني pdf - مكتبة نور

إن هذه الكلمات التي رددها ابن سعيد الأول “خلدون” كانت بمثابة الصدمة لسعيد، الذي اكتشف للمرة الأولى أن فلسطين كانت له جنة يتحسر على فقدها، وحائطًا يتعلل بهدمه، وهي تجسيد لمواجهة جيل فلسطيني كامل أحس مسؤوليته في فقد فلسطين وبعجزه الكامل عن السكن فيها لأكثر من عشرين عامًا. لم يكن “دوف” كما سماه أبواه الإسرائيليان دلالة على الصبي فقط، إنما كان دلالة على الأرض والبيت وربما الطفل والسكن، ليصدم أبواه ويصدم غسان قراءه بقوله: “ماذا جاءا يفعلان؟ لا تقولي إنهما يريدان استرجاعي”. ثم يدلف بقولته: “الدموع لا تسترد المفقودين…”. 

وعلى جانب آخر فإن الآخر “فارس اللبدة” الذي عاد إلى منزله ليجد صورة أخيه لا تزال مُعلقة في بهو المنزل ثم أعادها لمن يستحقها برأيه، كان دلالة أخرى على أن النزوح من فلسطين لم يكن أبدًا الخيار الصحيح، كما أن هذه الصورة تعني أكثر من مجرد شهيد وأكثر من مجرد نضال لأنه وبرأي صاحب المنزل الجديد: “لقد ندمت لأني سمحت لك باسترداد الصورة، ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن. عشنا معه وعاش معنا وصار جزءاً منا”، “كان يتعيّن عليكم، إن أردتم استرداده، أن تستردّوا البيت، ويافا، ونحن… الصورة لا تحل مشكلتكم، ولكنها بالنسبة لنا جسركم إلينا، وجسرنا إليكم”. 

هكذا إذًا، الأمر ليس مجرد صورة أو أمنية أو حتى طفل، الأمر بالنسبة لغسان كان المقاومة، كان الدفاع عن الشرف والأرض والعرض والوطن، الوطن الذي لخصه في إجابته الشهيرة: ألا يحدث ذلك كله. 

تبنى غسان مبدأ المواجهة دائمًا، ونبذ الهرب وإن كان لأجل لقمة العيش أو لأي ظرف، مصورًا الرحلات التي كانت في فترة الخمسينات بالعذاب المحتم في الطريق الشائك نحو الخلاص غير المضمون، ففي “رجال في الشمس” يصور غسان رحلة ثلاث رجال، ينتمون إلى أجيال ثلاث؛ ورابعٌ يختلف عنهم في الهدف والوجهة لكنه يلتقيهم في الطريق. 

الأول عجوزٌ طُرد من أرضه تاركًا ورائه زوجه وطفله في المخيم واسمه “أبو قيس”، والآخر شابٌ استدان لأجل الهرب بعد نشاطاته السياسية يسمى أسعد، والثالث صبي يدعى مروان بعد بعض الظروف الاجتماعية التي اضطرته ليلتقي برفقائه في رحلتهم إلى الكويت؛ أرض الخلاص ربما بالنسبة لثلاثتهم…

رابعهم رجل فقد ذكورته وهو يحارب يسمى أبو الخيرزان، فنقم على الحرب والسلم وعاش يجمع الأموال فقط، ولا يلوي على شيء سوى جمع المال، يصحبهم في طريق تنظرُ إليه الشمسُ بعين القسوة وكأنه طريق من أو إلى جهنم، والحق أنه بالنسبة إليهم طريق الهروب من جهنم وبالنسبة للكثير من الفلسطينيين الذين عايشوا تلك الفترة وفعلوا كالذي فعله أبطال الرواية أو بأشكال مغايرة. 

لكن الخلاص والهرب إلى أرض الفردوس بالنسبة لهؤلاء وكما يرى غسان هو خلاص فردي، لذلك فقد حكم هو عليه بالفشل، ليس لحرارة الشمس فقط، ولا لصيف أغسطس الحارق فحسب، بل لأنه فرار فيه تركٌ للوطن بكل ما تحمله الكلمة من معانيها، والبحث بشكل منفرد عن أنفاس أو لقيمات تسد الرمق، أو غنى منتظر. 

الشمسُ في رجال في الشمس، لم تكن هي التي تضيء السماء وتشفي برودة الأرض، وإنما كانت العقاب الذي استحقه الهارب برأي غسان، وصار الطريق الذي اعتقد المسافرون فيه أنه الخلاص شبيها بالصراط، “بالصراط الذي وعد الله خلقه أن يسيروا عليه قبل أن يجري توزيعهم بين الجنة والنار، فمن سقط عن الصراط دخل النار، ومن اجتازه دخل إلى الجنة..”. وصارت حرارة الجو واختباؤهم في صندوق السيارة الأشبه بالمقلاة يكويهم وينزف بهم ويمتص الدم من بين عروقهم ولذلك نصحهم أبو الخيرزان بخلع ملابسهم داخله، لأنه داخل الحرارة سيكون أشبه بفرن حقيقي! 

ما الذي حدث؟ لا أحد يواجه التيار وينجو، لذلك لم يكتب للثلاثة النجاة، لا لشيء إنما كانت هذه رسالة فحواها المواجهة والمقاومة، من المبتدأ إلى النهاية، ومن بدء النزوح إلى العودة التي لم يتيسر لغسان ولا لنا -إلى اليوم- أن نراها. 

لكننا وغيرنا موقنون أنها ستحدث، كانت هذه الرواية والأخرى وغيرهما حافزًا دائمًا لأن يكون المرأ ندًا كما كان غسان، ليس بالسيف والبندقية والدبابة فقط، إنما بالكلمة والقول والعمل، بالتعليم الجيد، وبغرس المفاهيم التي عمد غسان على تثبيتها في صدور الشباب في حياته، وبعد مماته عن طريق أعماله. 

 

عائد إلى حيفا by غسان كنفاني

 

مات غسان! مات شابًا لكنه ترك تراثًا لا يقدر بعمر ولا بثمن، مات لأنه واجه التيار وكان بمثابة المُخربِ لما يخطط له الموساد والغرب، بماذا؟ بحبر وكلمات. ورُغم موته إلا أنه كان ولا يزال باقيًا في أوساط شباب الجيل الحاضر وسابقيه، بنضاله وقتاله ومشواره المجيد، الذي وإن انتهى مبكرًا فإنه حُفر بسطور من نور، كان له بالغ الأثر فينا جميعًا.

مات من قال: “إن الحياة لا قيمة لها قطّ إن لم تكن دائمًا واقفة قُبالة الموت”. كان دائمًا يقفُ قبالة الموت، حتى اقتلعهُ الموت يافعًا.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق