خواطر

أيها الناس لا تخاصموا!

يومٌ أعرفهُ جيدًا، وأعي ما أذكرهُ عنه، أقفُ أمام هذا القبرِ الآن بعد مروري به عرضًا، أتفحصُ جُدرانه، الكلماتِ المنقوشةَ عاليهُ، والأسماءَ التي تُزينه، جميعُ من تُركوا هُنا لا حولَ لهم ولا قوة، جميعُهم في قماشٍ أبيض، مُتشحون بالترابِ أعلاهم سقفٌ إسمنتي وأسفلُهم تراب. 

هكذا إذا سيكون مآلي، كما كان مآلك يا صاحبي. فما الداعي الذي جعلنا نتخاصمُ؟ أولم يكن أدعى بِنَا أن نُفيقَ عن الخِصامِ ولا نُهدِرَ العُمر في خصامٍ لعين يأكل من عُمرينا؟ ما كان أهم من أن نمضي معًا وسويًا ما قُدرَ لكَ أن تحياهُ في رغد، نُعينُ بعضنا على نوائبِ الدُنيا ومصائبها وزلاتها؟

في تلك اللحظة تحديدًا، هانت أمامي جميع المراتِ التي خاصمتُ فيها من أحب، كرهتُ الخِصامَ واستعظمتُ لحظةً كانت ثقيلة بيني وبين أحد ممن أحب وتساءلتُ، كيفَ يقضي المرءُ دقيقةً واحدة مُعرضًا عن صاحبه لأنهما اختلفا في شيءٍ أو لأن وجهات نظرهما تقابلت فلم تتفق!

اللحظات القاسية تُعلمك وتربيك، وأكثر ما يجبُ تعلمهُ في الحياةِ أن لا تجدَ من أولئك الذين تحبهم ملجئًا ولا تبتعد عنهم بداعي الخصومة أو بسبب الحزن أو الضيق، مهما بلغ حجم الخِلاف، أو مهما تنامى إليك منهم أو إليهم.

وذلك لأنك ستدرك في لحظات بُعدهم الجبري أنك كُنتَ مُترفًا مُخطئًا مهما كان ما بينهم معك وأن الحنين الذي ينبضه فؤادك يشملُهم جميعًا، بزلاتهم وخصاماتكم وحزنكم وفرحكم، وأن ساعة بينهم تتحملُ خلافاتِكم وتُنهيها هي أعظمُ وأقدرُ وأفضل من كلُ الساعات التي انتظرتَ فيها اتصالهم لاعتذار أو مجيئهم لأسف أو رؤيتهم في أعينهم ندم، حتى وإن كُنتَ مُحقًا! ومهما هانت في عينك حينها أشكالِ الخصام فإنك ستفتقدُ أضلعهم وتحنُ إلى عِناقِهم وإن كانت مصانعُ الحدادِ بينكم!

إثرَ وفاةِ صاحبي ذاك، وإثر تلك الاستنادةِ على اسمه والعبراتُ تملأُ عيني أمام قبره، أحسستُ إنني قد كرهتُ الخصامَ أكثر من أي وقتٍ مضي، وكيفَ أستطيعُ تحمل الخصامِ وهو يجعلني بعيدًا عن أذرعِ من أحب، ولو لثوانٍ من أجلِ ضيقٍ أو حزن أو كدرٍ أو شيءٍ ما شاء! 

صرتُ أقربَ إلى اللينِ منهُ إلى الشدة، أقربَ إلى الصُلحِ منه إلى الحُزن والخصام، أتعمدُ إضفاءَ الدفءِ في لحظاتِ العتاب، حتى لا يتحولَ الأمرُ إلى خصامٍ يبيتُ بيننا، أيامًا طوالًا وليالٍ عُضالًا، يُضفي على قلوبنا الجفاءَ والقلقَ والحُزنَ ويورث القطع والهجرَ ورُبما الفِراق. 

أحبُ من إذا بسطت إلى يدكَ مدَّ يده، ومن إذا فتحتَ ذراعكَ إليه ارتمى بين جنبيكَ ومن إذا عاتبتهُ لان، ومن إذا عاتبَك استخدم اللطف، الناسُ هكذا يختلفون في المأكل والمشربِ والمسكن، ولا يستوي للمرءِ أن يسيرَ مشوارهُ وحدهُ، ولا عمرهُ دونَ رفقة، ومن سنن الحياةِ أن يتخاصموا، فإذا تخاصموا عادوا، وإذا عادوا حملوا لبعضهم من الحِلمِ والرقةِ وطيبِ الخُلقِ الكثير. 

ليسَ أولُ من يعودُ خاسِر، ولا أول من يبدأ بالسلامِ الأضعف، بل هو الأفضل والأنقى والأحسن، ولا ينفعُ العِنادُ في شيءٍ سوى أنه يُمهدُ للهجرِ ويفتحُ الباب للفِراق، والناسُ أنفسهم أبعدُ ما يكونون عن حبِ حدوثِ ذلك. 

ذروا الأبوابَ مفتوحةً للعودة، سهلوا على أنفسكم وعلى ذويكم في العودة وغلقِ باب الخِصامَ تمامًا، فالخصامُ يأكل في النفسِ ويقتلُ الحسنَ فيها، ويذرُ الناسَ تائهين مشغولي الفكرِ والخاطر، تموجُ رؤوسهم بالهمِ والحَزنِ والخوفِ والقلق.

وإني والله أخشى أن يسيرَ العمرُ بِنا نتخاصمُ فنهجرُ ونقطع، فيتخلل الندمُ قلوبَنا في ساعاتٍ لا يجد الندمُ فيها ولا يُفيد، أو أن يسرقنا العُمر من بينِ الخِصامِ كما يسرقنا من أي شيء، فنمضي بلا زادٍ ولا رفقة ما حيينا. 

أيها الناسُ لا تجعلوا ثانيةً تمرُ بينكم وبين من تحبون في خصام، لا تدافعوا عن أنفسكم في وجههم، لا تغضبوا منهم ولا تحزنوا، لا يملؤكم الجفاءُ أمامهم، ولا تطيلوا في الكتمان أو تُكثروا من التراكُمات، لا تردوا بقسوة ولا تلوموا بُعنف، اعفوا واصفحوا عنهم فإن ساعة بينهم أعظم من كل ساعات الخِصام مهما بلغت مداها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق