أدب

أيها الرجال لا تحبوا

أيها الرجال لا تحبوا

(1)

يقول؛ أجلسُ أمامها أرتجيها أن تبقى، أبكي… هل تصدق أن أبكي من أجل امرأة؟ والله فعلت، اغرورقت عيناي بالدمع وهمعت، وهي كما هي كانت تلملم أشياءها سريعًا وتنظر إليَّ نظراتِ الإشفاقِ والوداع ثم أفلت عن عالمي إلى الأبد! 

رجوتها أن تعود، فتمايلت ثم راوغت ثم راحت تمامًا، علمتُ أن خِطبتها كانت مذ مدة، امتزجت بسمتي بعبراتٍ انهمرت من مقلتيَّ، تساءلتُ حينها. ما الذنبُ الذي اقترفته حتى تهجرني بطريقة مثل تلك، وكان الذنبُ الوحيدُ أني أحببتها، تنهدتُ تنهيدةً بعيدة ثم أجبته، وهذا أعظمُ الذنوبِ يا صاحبي.

(2)

شاعرٌ، أفلت زهرةُ شبابهِ في التمني، ثم عادَ يمني نفسه بسنينِ الفرصِ الضائعة فلم يُفلح، عاشَ على أملِ أن يجتمعَ بمن أحبها لأكثر من خمسين عامًا، لكنها وبكلِ إباءٍ هجرته وأغلظت الهجرَ وعاندته ولما ماتت كان آخر ما كتب قبل أن يكسرَ قلمهُ ويعتزل الشعر ما قالهُ فيها:

قد كنتُ أسمعها تشدو فتُطربني 

واليومَ أسمعني أبكي وأبكيها 

صحبتُها من ضحى عمري

أدُف شهد المعاني ثم أهديها 

سلافة من جنى فكري وعاطفتي

تديرها حول أرواح تناجيها

هو أحمد رامي وهي أم كلثوم، هو من تغنى بها أيامًا وليالٍ كُثر، وهي من أوصدتِ البابَ أمام وجههِ إلا لكلماتهِ التي غنتها، كان يقتطع الكلماتِ من قلبه اقتطاعًا، وهي تتلذذ باعتلاءِ المسرحِ لتشدو بصوتٍ يُطربُ الجميعَ إلاهُ هو. 

وعلى عذوبةِ كلماتهِ وحلاوةِ ألفاظه، فلم يحرك فيها هذا ساكنًا أبدًا وعاشَ كما عاشَ لا يستجدي سوى رضاها، ولا ينتفعُ حتى من غنائها بقريشاتٍ، لأنه رأى أن تلك الكلماتِ كانت منه، تكتبُ بأنينٍ قلبه وعبراتِ عينه، فلا يصحُ أن يتقاضى عليها شيئًا. 

كتبَ رامي في كوكبِ الشرق مائة وسبعة وثلاثون قصيدة، أهداهُن عن طيب نفسٍ، كان أولهن “الصبُ تفضحه عيونه”. عام 1924 وكان قلبهُ ينزفُ عِوَضَ الدمعِ دمًا في كل مرةٍ تعتلي فيها قدماها المسرحَ طيلة خمسين عامًا لتغني وهو يعلمُ في بواطنه أن أحدًا لن يملك قلبه كما تفعلُ هي.

وهي.. هي يا صديقي لا تُحرِكُ ساكنًا غير الهجر والجفاء والبُعد.

 

“وعمري ما أشكي من حُبَّك مهما غرامك لوعني.. لكن أغير من اللي يحبك ويصون هواك أكتر مني”.

(3)

 

نتيجة بحث الصور عن غسان كنفاني وغادة السمان

 

وهذا رجلٌ آخر يُدعى غسان.. غسان كنفاني. مناضل شعبي وصحفيٌ. شاعر وروائي أصابت كلماته الاحتلالَ مراتٍ ومرات، وأصابهُ حبُ امرأة هوت أن تعذبه أيامَ حياتِهِ كُلَّها، ولما مات نشرت رسائله إليها، متباهيةً بأن تلك الكلمات كانت في حقي، وأن هذا الشاعر الصلد القوي كانَ لهُ جانبٌ لا يعرفهُ سواي.

أحبها الشاعرُ حُبًا جمًا لا يُقدر بحجمٍ ولا يُحسبُ بحساب، أحبها وظل هائمًا بها وكانت هي تتلذذ بلوعه ومراوغته والزوغِ منه فكتب إليها يومًا بعد أن اشتدت عليه الألسنة وعاتبه من عرفَ قصته وهيامهُ بها، أو حتى من لم يعرف لكنهُ سَمِعَ أنه يحبُ امرأة إن تحركَ الصخرُ لا يلينُ قلبها، راسلَها قائلًا: “يقولونَ أنّ علاقتنا هي علاقة من طرف واحد، وأنّني ساقطٌ في الخيبة، قيلَ إنّني سأتعبُ ذاتَ يوم من لعقِ حذائك البعيد. يُقال إنّك لا تكترثينَ بي، وأنّكِ حاولتِ أن تتخلّصي منّي، ولكنّني كنتُ مِلْحاحاً كالعَلْق! يشفقونَ عليّ أمامي، ويسخرونَ مني ورائي، ويقرأونَ لي كما يقرأونَ نماذجَ للشاعر المجنون”.

ظلَّ غسانُ هكذا رجلًا يحبُ بلا مُقابلٍ أبدًا، ويهيمُ في صاحبته صباحَ مساء دون أن تحرِّكَ ساكنًا، أحبَّها حُبَ رجلٍ مخلص، لم ينتظر شيئًا ولا هي أمالت له جانبًا أبدًا، فظلَّ على حالهِ ذلكَ إلى أن استهدفه الموساد عام 72، ونشرت هي كلماته بعد عشرين عامًا.

(4)

 

وقيسٌ شاعرٌ آخر، عُرفَ بمجنونِ ليلى. وهكذا الرجالُ إذا أحبوا جُنّوا، تقدَّم للزواجِ من ليلى العامرية -بنت عمه- فرفضَ أهلها تزويجها به، رغم ما جاء به من مهرٍ ونوقٍ ليظفر بيدها، وذلك لأن العرب اعتادوا عدم تزويجَ المُحب المُعلن عن حبه بين الناس، ويرون أن ذلك عارٌ وفضيحة، وبئس العادةُ تلك وبئس من فعلها. 

سأله الناسُ أن يتوقفَ عن حُبها، وكأن الأمرَ بيده، أو أنهُ يستطيعُ أن يتوقفَ عنه متى أراد:

 وقالوا لو تشاء سلوت عنها  فقلتُ لهمْ فانِّي لا أشَاءُ

وكيف وحبُّها عَلِقٌ بقلْــــبي             كما عَلِقَتْ بِأرْشِيَة ٍ دِلاءُ

لها حب تنشّّـــــأ في فـؤادي                فليس له-وإنْ زُجِرَ- انتِهاءُ

وعاذلة تقطعني ملامــــــًا           وفي زجر العواذل لي بلاء. 

مضى قيسٌ على جمرِ الصحراءِ وحيدًا، سلواهُ طيفُ ليلى الذي يراودهُ كلما هجع إلى النومِ أو سارَ وحيدًا، هامَ على وجهه في البراري والقفار يُنشدُ الشعر ويتسلى بحبهِ العُذري الذي لم يظفر به، يراهُ المسافرون مرةً في نجد وحينًا في الحجازِ وأخرى في الشام وظلَ كذلكَ إلى أن أسلمَ روحه إلى بارئها بين الأحجارِ والجبالِ وحيواناتِ الصحراء.

كان مما تركهُ هذا المُتيمُ المجنونُ قصيدةً سُميت بالمؤنسة، وهي أحدُ أعظمَ ما كُتبَ في الغزلِ العربي على الإطلاق، وقيلَ أنهُ كتبها في تيههِ في الصحراءِ في سنينهِ الأخيرة وكان منها: 

وَعَهدي بِلَيلى وَهيَ ذاتُ مُؤَصِّدٍ

تَرُدُّ عَلَينا بِالعَشِيِّ المَواشِيا

فَشَبَّ بَنو لَيلى وَشَبَّ بَنو اِبنِها

وَأَعلاقُ لَيلى في فُؤادي كَما هِيا

 

أيها الرِجالُ لا تُحبوا. 

في كلِ حارةٍ وزقاقٍ وشارع، سترى أحدهم هائمًا على وجههِ، يحبُ امرأة ويذرُ لها قلبه، يتفننُ في إسعادها وإضفاءِ الجمالِ على حياتِها، يُغدقُ عليها بما طالته يداه ولم تطله، يسهرُ لياليه في التوددِ إليها ويتركُ قلبهُ بين يديها في كلِ صباح! 

بينما هي،  تبيتُ ليلتها متأملةً وجهها في مرآتها غير آبهةٍ بالمسكين الذي يعدُ اللحظاتِ حتى تُشرقَ بوجها عليه ستسأل نفسها أشياءً لا تهمهُ ولا تعنيه ولا يعنيها ولا يُهمها أمره تمامًا، لأن الشقي ذرى قلبهُ عند صاحبة القلبِ حسب رأيه. 

أيها العاشقون في دروبِ الدُنيا وأزقة الأحياءِ الفقيرة والثرية لا تُحبوا، فإن النساء ما تملكوا قلوبكم أرهقوها بحبِهم وبالشوقِ إليهن وكثرةِ السهادِ، لا تُحبوا فكمَ عاشقًا باتَ ليلهُ منتظرًا انفراجة أمل ثم عادَ لتوصِدَ أنثاهُ الأملَ في وجهه. إنما رامي وغسان وقيس مجردُ أمثلةٍ تاريخية، والأمرُ يرجعُ إليك، إذا أحببت أو أردتَ أن تُحِبَ فإنك بصدد دفع الضريبةِ الأغلى في عُمرِك، وبصدد أن تُخاطِر بما لا يطيبُ إذا ذبُلَ ءذأو يُضمد إذا جُرِحَ، لذا فلزامًا للطمأنينة والأمان، لا تُحب ولا تَبُح بالحُبِ ما دُمت حيًا فإذا سقطت في شراكِ الحُبِ فلا تلومَنَّ إلا نفسك.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق