قصة بيت

قصة بيت – أيها الراكبُ الميممُ أرضي.

عبدالرحمن الداخل في الأندلس

أبياتٌ قيلَت وكُتبت في زمانٍ غابر، أمضى عليها الدهرُ أيامًا، وأنا بدوري أتقصاها وأبحثُ وراءها، وأستخرجُ قصصها. ضيفُ اليوم بيتُ شعرٍ أندلُسي بطرازٍ شامي، قائلهُ قضى أكثرَّ من عشرين عامًا بعيدًا عن زوجه وولدهِ وبقية أهله، وترك معهم أرضهُ التي تربى بها وتكونت فيها ذكرياته ورأى فيها أهلهُ وهمٌ ملوكٌ وعاش بينهم بعدها وهم طريدوا العباسيين.

 

يقولُ عبدالرحمن الداخل: 

“أيها الراكب الميمم أرضي .. أقري من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرض.. وفؤادي ومالكيه بأرض
قُدر البين بيننا فافترقنا.. وطوى البين عن جفوني غمضي
قد قضى الله بالفراق علينا.. فعسى باجتماعنا سوف يقضي”

 

وقصةُ هذا البيت بكل بساطةٍ أن هذا الوالي الأموي العظيم الذي كان يُلقب بصقرِ قريش،استقرت لهُ بلادُ الأندلسِ بعدَ أعوامٍ كثيرةٍ من التشتتُ واقترابِ الضياع، كانَ أميرًا أمويًا تربى في بلاط جده هشام بن عبدالملك، وهو أحدُ أعظم خلفاءِ بني أمية على الإطلاق، وفي أيامه بلغت الدولة الأموية أقصى اتساع لها. لكن سرعان ما انتهى حالُ الدولة الأموية إلى الانهيار والسقوط، ومن بعدها أصبح أمراءُ الأمويين مطاردين من العباسيين، يقتلون كل من طالته أيديهم. 

 

يُغادر الداخلُ موطنه طريدًا ويقضي سنينًا في رحلته إلى الأندلس، لينتزعها أخيرًا من المعارك والشتات التي تعيشُ فيه، ويؤسس إمارة جديدةً لبني أمية عاصمتها الأندلس ثم يبني قصرًا على طرازِ جده هشام ويُسمي مدينته الملكية “مُنية الرُصافة” تُطابق رُصافة جده وتخليدًا لذكرى الخليفة الأموي الراحلِ هشام بن عبدالملك، لكنهُ يُبقي مع تلكَ الأيامِ جُرحًا ينكأهُ مع الوقت، يستحيلُ معه الضمادُ أو الدواء وهو شوقه إلى الشامِ وشوقه إلى موطنه الأولِ الذي نشأ فيه. 

 

وُهنا يزورني قولُ الشاعرِ أبو تمام:

“نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب الا للحبيب الأولِ

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه ابدا لأول منزلِ”

 

يُرسل عبدالرحمن الداخل رسوله إلى الشام، بعد أن استقرت له الدُنيا في الأندلس ليأتي إليه بأهله، زوجه وابنهِ وأخته وبقية أهله، لكنه يُمسِكُ بزمامِ فرسه قبل رحيلهِ لينشدهُ كلماتِه قائلًا

 

“أيها الراكب الميمم أرضي .. أقري من بعضي السلام لبعضي

أي أيها القاصد وطني، بلغ من بعضي السلام لبعضي

 

إن جسمي كما علمت بأرض.. وفؤادي ومالكيه بأرض

أنت ترى جسمي الآن بأرضٍ، لكن فؤادي مدفونٌ هُناك في الشام، برفقة أهلي الذين تتطلع إلى زيارتهم الآن.

 

 

قُدر البين بيننا فافترقنا.. وطوى البين عن جفوني غمضي

أصبحت المسافات بيننا كبيرة، وجعل هذا البينُ جفوني لا تغمض ولا تنام، رغم هذه السنواتِ العشرين. 

 

قد قضى الله بالفراقِ علينا، فعسى باجتماعِنا سوف يقضي. 

 

وهو إذ يقولُ ذلك مستسلمًا لقضاءِ الله بفراقِ ولدهِ البِكر وبقية أهله وأرضه، يدعو الله في الشطر الأخير من الأبياتِ بأن يتحقق لهُ اجتماعهم ويصبح قضاءً كالفراقِ الطويل! 

 

وقد قضى الله باجتماعِ شملِ عبدالرحمن الداخل بأهله فعلًا، وسكنوا جميعًا رُصافته الجديدة وكان لقاءهم مشهدًا مهيبًا تنفطر له القلوب، فلك أن تتخيل أن شوقًا يتأجج في قلبِكَ لعشرين سنة تنتهي نارهُ بعناقٍ طويلٍ يمتدُ بطولِ النهار! 

 

بهذه النهاية السعيدةِ تنتهي قصة الأبياتِ الأولى، على وعدٍ بزيارةٍ قريبة. 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق