أدبمنوعات

وداعًا أيها الغريب؛ وادعًا أحمد خالد توفيق

وادعًا أحمد خالد توفيق

ثمة راحلون لا يرحلوا، ربما يسدلُ النهار الستارَ عنهم، يقصدون جنبًا ويغمضون أعينهم لكننا لا نُصدق بالعيانِ ولا بالعقل أن مثلهم قد يرحل، وإن رحلوا فإنهم لا يُنسوا وأحمد خالد توفيق أحدُ هؤلاء، فهو كان ولا يزالُ (بما خط في حياته) ملهمًا لجيل الشباب، صاحبَ مبدأ لا يتزحزحُ عنه، في الوقتِ الذي انثنت فيه عزائمُ الرجال، وتبدلت فيه فطرتهم وأصبحوا عُبيدًا يُسيرون حسب القيلِ والقال، كانَ هو صاحبَ عقيدةٍ وفكر وريادة وإلهام، فأكسبَ ذلِكَ كله لهُ في قلوبنا ما جعلنا لا نلتفتُ إلى فائزٍ بانتخاباتِ الرئاسة، بقدرِ ما نلتفتُ إلى مغيبِ شمسِ المُلهم الخالد رحمه الله.

في سؤالٍ لهُ ذات يوم عن ما يخشاه قال: “أخاف من غدِي، أخاف بمجرد التفكير في الاحتمالات القادمة، أخشى الشيخوخة والبقاء وحيدًا لساعاتٍ طوّال وأنا أنتظرُ اليومَ أن ينتهي، وأخافُ من أن يصبحَ علي الصبحُ فلا أجدُ ما أكتب، أنا أخشى الموت كثيراً ولست من هؤلاء المدعين الذين يرددون في فخر طفولي نحن لا نهاب الموت كيف لا أهاب الموت وأنا غير مستعد لمواجهة خالقي”.  ربما لم يكن مستعدًا كفايةً بأن يلقى الله، لكنه وبعد مضي خمسة أعوام وخمس عقودٍ على ولادته، خلف الراحلُ ذكرًا لن ينسى، وعلمًا لن يموتَ من بعده، فلم ينقطع عمله ولن ينقطع، ولما تأفل شمسهُ وإن بدا انقطاعُ نورها فقط.

استطاع الراحل أن يتعهد عددًا كبيرًا من أبناءِ جيلنا، يضمهم تحتَ جناحه ويقصُ عليهم ويقصون إليه، أحاطنا بالحُبِ وأحطناهُ بهالةٍ من التصديق، فكانَ ملهمًا في كلامه قدوةً في أفعاله، قائدًا في حركاته، جميلًا في سكناته، يأخذُ هذا الجيلَ الذي حُرمَ من نفسهِ إلى نفسه، ويصحبهم من روحهم إلى روحه، يعبرُ بنا الطريق ويكونَ لنا الرفيق، نشعرُ في كتاباتهِ بالدفءِ ونلتمسُ فيها الصدقَ والأمانَ والمواساة والتواضعِ الجم، الذي ألفهُ البعيدُ قبل القريب فنتحسسُ برفقتهِ المدينة الفاضلةَ الباسلة، ونمنى أنفسنا بتلكَ الأحلامِ التي يقصُها علينا العرابُ لعلنا نستيقظُ يومًا فنبصرها حقيقة.

لكنهُ مات، مات الذي كان يخشى الموت ويهابُ الشيخوخة ويخافُ انقطاعَ الكلماتِ وجفافَ الحبر، ماتَ مخلفًا وراءهُ جيشًا مليئًا بالأفكار، وحروفًا حبلى بالأسفار، وأوصافًا لم يستطع أن يصفها (مع بساطتها) مثله، بدء من “ما وراء الطبيعة” ومرورًا بجميعِ ما كتبه الراحل من “فانتازيا” و”الآن نفتح الصندوق” والعظيمة “يوتوبيا” إلى جانب عدد جم من المقالات السياسية والاجتماعية والثقافية بالعديد والعديد من الأفكار والتشبيهات الخفية التي لم يكن قادرًا على فهمها أحدٌ سوى “أبناءه” كما كان يحلو له تسميتهم، وأيضًا انتهاءً بالخواطر الصغيرة التي كانت مؤثرةً في أيامنا وموقدةٍ لشرارةِ الأحلامِ فينا، سواءً كانت بعضَ كلماتٍ مقتبسةٍ من كتبه أو مقالاته أو بعضًا مما يكتبُ هو على الريقِ لبنيهِ في الصباحِ أو المساء.

في آخرِ لقاءٍ مسجل له قبيلَ وفاتهِ رحمه الله سُئل لماذا تكتب؟ فأجاب: “أكتبُ لأنني قرأت كثيرًا، للدرجة التي جعلتني أغلي من داخلي، أشعرُ أن علي أن أخرجَ ذلك وإلا سأنفجر، وأنا أرى فيها علاجًا نفسيًا لما يدورُ بي” ثم وضحَ أنه يكتبُ لنفسِه أولًا لأنه يرى أن بهِ اضطرابًا يُضطرُ لمعالجته بشيء، وقد تكونُ الكتابةُ هي هذا الشيءُ الذي يعالج هذا الاضطراب.

ماتَ العراب! مات وقد أفضى قبلَ أيامٍ من موته أنهُ يرفضُ ذاك اللقب ويضطربُ لسماعه، هذا لأنه يرى أنه “روب واسع” فضفاض، ويكتبُ كلامًا فارغًا لا يستحق حسبَ وصفهِ “الدوشة”، ليتركَ في حجورنا أسئلةً لا تنتهي، أولها من يستحقُ بعدكَ يا عرابُ أن نقرأ له ما دامت كتاباتُكَ شيئًا لا يستحقُ الدوشة؟

ليتهُ يرى اليوم، تلكَ الدوشة التي تدورُ في رؤوسِنا بعد ساعاتٍ من وفاته، وليته يسمعُ نحيبَ قلوبنا أو حتى يرى التأثُرَ الذي نحملهُ في صدورنا عليه، ليعلمَ أن لقبَ العرابُ منتقصٌ، وأنهُ مهما كانَ متواضعًا طيبًا جميلًا بشوشًا ملهمًا قائدًا فإن جميعَ ما أكتبهُ وسيكتبهُ غيري ناقصٌ مبتذلٌ قليلُ الحيلةِ أمامِ الرثاءِ فيه رحمهُ الله. وأن ذاكَ العبقري الذي كانت كلماتُه تأسِرُ القلوبَ أن مثلي لا يستطيعُ أن يفكَ شيفرةَ الحروفِ ليكتُبَ في عبقريته بضع سطور. وأن الأسمى والأجلَّ لعظيمٍ مثله أن يبقى باسمهِ وبخلوده موفقًا تحمدُ سيرتهُ في الأرضِ وتستجدى لتحمد في السماء.

الوداعُ أيها الغريب الذي ما تحذلقَت يومًا ولا تكبرت، الوداعُ يا صاحبَ القصةِ القصيرة والهمِ الكبير، الوداع يا صاحبَ رقصاتِ الظل وقطراتِ الندى، وكلماتِ العبقِ وإشراقاتِ الأمل.. ولأن كلَ شيءٍ مآلهُ الانتهاء (ولو ظاهرًا).. فالسلامُ عليكَ يا د. أحمد خالد توفيق. يقول رحمه الله بعد أن مرَّ بالموتِ مرات: “أنا انتظرهُ وكأنني كما يشبه نجيب محفوظ في القطارِ الذي يمرُ توًا من سيدي جابر وتبقت عليه خطوات ليصل إلى مثواهُ الأخير في الإسكندرية، أنا أعلمُ أني سأصل، وبسرعةٍ خاطفة”. وكأنهُ مسافرٌ كانَ ينتظرُ الإشارة، أو كان ينتظرُ الوصول.. وداعًا أيها الغريب.

لا أدري هل يُغفر لي رتابةُ الأسلوبِ وانعدامُ التركيزِ في تدوينةٍ كتلك أكتبها فيه رحمه الله، ولكنني وجدتُ نفسي هكذا، مؤرقًا حتى أتممت ما كتبت، غفر الله للدكتور، ورحم تقصيري.

والله والله، يدور ببالي الكثير من الكلام غير أني غيرُ قادرٍ على استجماعِ الأفكار أبدًا، اعذروا قلمي في ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق