أدبتاريخ

لحظة الوداع الأخير

(1) 

التفتَ التفاتةً أخيرةً، ونظرَ بعينٍ ملأتها الدموع، جوداهُ منكسُ الرأس، الموتُ لا يقتلُ كما يفعل الاستسلام، يُحاول الإسراعَ، لا يملكُ القوة على السير ولا على أن يهز خيله ويحثهم على الإسراع، يعتصرُ عينه، ويعضُ على يده وينظرُ إلى البيازينِ نظرةً أخيرة ويملي عينه من قصر الحمراءِ الذي امتلأ بملكِه وملكِ آبائه من قبل، ثم ينظرُ إلى الجهةِ الأخرى، ناحية البُشرات، قبلته وقبلة أمه. الصامتةِ الي لم تنبس ببنت كلمة، آثرت الحداد كما فعلَ من رحلوا معهُ إلى هُناك، اعتلت أقدامُ فرسه ربوةً تطلُ على غرناطة، ولآخر مرةٍ قد ينظرُ إليها، بكى فما استطاعت عينهُ أن تميَّزَ ما ترى، ولم يستطع في لحظة وداعه الأخيرةِ أن يرى مدينته المستسلمةَ جيدًا، بكى ولم يصمد أمامَ صهيلِ فرسهِ الذي آثر الحركة وطالب بالرحيل، ليُذعن آخر ملوكِ الأندلسِ المسلمين إلى صُراخِ فرسهِ وينطلق، وتذهبُ معه ثمانُ قرونٍ من الحضارةِ الإسلاميةِ في الأندلس. 

(2)

عشرُ أعوامٍ من محاولةِ الالتفافِ حول تلك الأسوار، عشرُ أعوامٍ من تمامِ القبضِ حولِ الأبوابِ والمفاتيحِ، يستيقظُ الصغيرُ من نومهِ فزعًا، يتفقدُ مفاتيحهُ في خزانتهِ، ثم يعودُ مجددًا، لا يزورهُ النوم، ولا يذوقُ راحةَ العينين، حربٌ بدأها عصيانهُ بتسليمُ المدينة الأخيرة في شبه الجزيرة الأيبيرية، مدينةُ تكتظُ بالناسِ، ينظرُ إليهم كل يومٍ من شرفاتِ قصره، يُفكرُ ألفَ مرةٍ في طي هذه الصفحة، ويفكرُ مائتي ألفِ مرةٍ قبلَ أن يفلتَ مفاتيحهَُ. 

لكنَ المفاتيحَ كانت أكبرُ من يدِ حاملها، فتساقطت أو سقطت فأُسقِطَ في يدي الأميرِ كيفَ يفعل وماذا يفعل، وكيفَ سيكتُبُ التاريخُ نهايته وليسَ بيدِ المهزومِ دواةُ وحبر، أو ريشةُ أو قلم ليكتُبَ الفصل الأخير في القصةِ الطويلة التي كانت حلوةً عذبةً حتى في حلقِ أعدائها. 

(3) 

كيفَ يكونُ وداعُ مدينةٍ سيسمع رثاءها أقطارُ المسلمين كافةً في العالم على مر قرون، كيفَ كان يدقُ قلبُ أبي عبدالله الصغير لما مرَّ موكبِ الملكين المتحدين فيرناندو وإيزابيل، وبينَ يديهِ مفاتيحُ مدينتهِ الساقطة، ينظرُ إلى تلكَ المفاتيحِ المُعتقةِ للمرة الأخيرة، يبذلُ قصارى جهدهِ في منعِ يدهِ من التسليم، وشلِ حركةِ جواده عن التقدم إليهما، يصارعُ يُمناهُ بقلبهِ ويعتصرُ بسراه بعقله، يتقدمُ جوادهُ غصبًا عنه، يرفعُ يُمناهُ قهرًا، ويمدُ إليهما مفاتيحَ بلدتهِ الضائعةِ بعد أن كُتبت على يديهِ آخرُ فصولِ الرواية! 

يلوي الصغيرُ عنانَ جوادهِ ثم تبدأُ رحلته، طريدًا مهاجرًا شريدًا وحيدًا، تسلَّمَ مُلكًا ضائعًا فكُتِبَ لهُ أن يضيعَ تمامًا من بينَ يديه، وكُتب عليه أن تُنتزعَ منهُ مفاتيحُ المدينةِ التي شهدت حضارةً تحاكت عنها أوروبا جميعها، وغزت علومها وفنونها أرجاءَ العالمِ، وهزَّت جيوشُها عروشَ أعدائها لقرونٍ طويلة. 

(4)

يمكثُ الصغيرُ بالبشراتِ بعضًا من الوقت ثم ينطلق وزوجهُ إلى قرية أندرش جنوب إسبانيا الحديثة ثم يهمُ أخيرًا بالذهاب إلى المغرب لكن مريمةَ بنت على العطارُ تأبى، لا تستطيعُ أن توَّدِعَ أرضَ الأندلِسِ حتى وإن استحوذَ عليها القشتاليون وبدأت محارقهم ومحاكم التفتيشِ الخاصةُ بهم، لا تقوى على نقلِ روحِها من الجزيرةِ إلى الناحيةِ الأخرى من البحر، ولم تفعل ذلك. 

أسلمت امرأةُ الصغيرِ مريمةُ روحها في الأثناءِ التي كان يتجهزُ فيها الأميرُ المنكوبِ لتوديعِ الأندلسِ بشكلٍ قاطعٍ ونهائي، ليقطعَ طريقَ رحلتهِ وحيدًا شريدًا خائفًا ضائعًا، ويمكث زُهاء أربعين عامًا يبكي أندلُسهُ الضائِعَ وزوجهُ المدفونَة بها، ويعيشَ مغمورًا في فاس بالمغرب إلى أن أسلمَ روحهُ إلى بارئها عن عمرٍ تعدى السبعين. 

 

(5)

صحيحٌ أن الصغير بكى، أو هكذا كان من المُفترضِ أن يكون، لكنهُ لم يُسلم مفاتيحَ غرناطةَ مُرتاحًا أبدًا، ولا كانَ ضياعُ ملكِ الأندلسِ من المسلمين في رقبتهِ وحده، بل إن أباهُ الذي كان يُصارعُ عمهُ على قصرِ غرناطةَ وبعدها صارعهُ هو نفسهُ عليه كان أحد تلك الأسباب، لكن الصغيرَ الذي بكى لم تقطم أمهُ ظهرهُ قائلةً كما بعضُ الروايات ابكِ كالنساءِ مُلكًا لم تحفظهُ كالرجال، لأن الفتى لم يكن بإمكانهِ أكثر مما كان. 

الأرضُ تتلاشى تلاشيًا إلى غيرِ رجعة، ومن سبقوا أبي عبدالله الصغير هم من ماجت بهم الأرض، وأدخلوا عدوهم بينهم، واستعانوا به على بعضهم، ولما حانت لحظةُ قصمِ آخر قشةٍ على ظهرِ البعير، حملَ أبو عبدالله ذلكَ كُله وحده، ضاعَ ماضيهِ وحاضرهُ فضلًا عن ضياعِ مستقبله وأصبحت الأرضُ التي حملت عدادَ أجدادهِ من قبله، واستقبلت فتوحاتهم وغزواتِهم تلفظهُ لأنه آخرهم وبهذا سقطت آخر بقعةِ أرضٍ في ربوعِ الأندلس. 

ليقفَ الصغيرُ مهزومًا مكلومًا يعلو جوادهُ الأسودُ المُنكس، وبصوتٍ مبحوحٍ يُردد ليتني مِتُ قبلَ هذا وكُنت نسيًا منسيًا، وعينهُ تتفحصُ دروبَ الأندلسِ دربًا دربًا، وزقاقًا زقاقًا، حتى إذا ما وقفَ بجوادهِ وأهلهِ أعلى تلك الربوةِ المُطلةِ على غرناطة، رمقَ ذلك الملك الضائع للمرةِ الأخيرة، وطالعه في زفرةٍ خافتة، وسارَ إلى البشرات آخر ما سيسكن قبل أن ينطلق إلى أندرش ومنها إلى مثواه الأخيرُ في فاس وتظلُ لحظة الوداعِ الأخيرةِ عالقةَ في رأسهِ إلى أن يلقى ربه. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق