تاريخقصص قصيرة

الحكاية كما نحب أن تروى.. جمهورية فلسطين

حكايتي كانت مع أحدهم، “ختيار” جاوز السبعين قال لي: “اجلس يا ولد أحكيلك ما لن تحكيه لك الكُتب: أبي كان رئيس بلدية حيفا منذ 1944، كنت طفلًا لم أبلغ من العمرِ إلا بضع وعشر، كُنت أرى الهوان في أعين الناس من بني قومي، أسمع عن “الهاجانا” واستقوائهم بالإنكليز وأقولُ سننتصر، ثم أسمع عن معاركٍ تدور رحاياها في أنحاءٍ متفرقة من البلد أقول وكيف النصر ونحن لا نجدُ لنا جيشًا ولا نلتف حول قائد!، عام 1947 شُكِّلت لجنة خاصة في الأمم المتحدة، قَدمت مقترحًا بأن تقسم أراضي فلسطين قسمين قسم للمسلمين وآخر لليهود، يريدون تقسيم أرضنا يا ولد تخيَّل!، نحن أصحاب الأرض ومن نحرس القُدس من شرهم يريدونا أن نسلِّم القدس لهم تخيل؟! ولم نوافق.”

يتابع “الختيار”: “خرجنا في مظاهرات جابت أراضي فلسطين من أقصاها إلى أقصاها، وافقت الوكالة اليهودية على قرار التقسيم، أما الجامعة العربية فاعترضت على التقسيم وحذرت من التبعات التي تجرها إليها المليشيات الصهيونية بعد انتهاء الانتداب البريطاني، كذلك تم التعهد بدفع مليون جنيه استرليني لإنشاء لجنة عسكرية عربية مشتركة، واحنا بدورنا رفضنا؛ استبشرنا في فلسطين، هلَّلنا وكبَّرنا، قُلنا لن تسقط فلسطين والعرب مجتمعين؛ كما أن الاحتلال البريطاني سينتهي في خلال السنة، نعلم أن الأمر صعب وسيطول، لكننا كُنا على يقين بأن فلسطين في النهاية ستبقى لنا، وسنبقى نحرس الأرض والعرض كما اعتدنا، وسيخرج اليهود كما دخلوا ويُسوَّى بوعد بلفور التراب، آخر يوم في السنة ارتكبت عصابات “الهاجانا” مجزرة بحق “بلد الشيح” وهي قرية جنوب حيفا استشهد فيها نحو 60 فلسطيني.”

في أوائل عام 1948 استبشرنا بقدوم عبد القادر الحسيني من منفاه، قُلنا سيوحِّد الصفوف وتنزاحُ الغمة ونتحاكى عنها عما قريب، بدأت تصلنا كتائب المجاهدين العرب، ابتهجت أساريرنا ثم علمنا أن “الهاجانا” وقعوا صفقة سلاح بما يقارب الـ 12 مليون دولار، وسُلِّحوا بإمكانيات ضخمة من الدول المتحالفة مثل بريطانيا. بدأ والدي مع رؤساء البلديات تكوين خلايا ومراكز للتدريب، وبدأ التناوش على قطاعات مختلفة من الأراضي، يغتصبون جزءا من الأرض، “بالليل نرجِّعها”، ووصلنا دعم من مصر وسوريا والأردن.”

وتابَع.. “قام الملك فاروق نفسه بتفقُّد المعدات التي ستشارك في الحرب، بدأت القوات المصرية تتخطى الحدود كانت مصر تقود الحرب من الجنوب وتدعم سوريا من الشمال، الأردن كانت تشنّ هجماتها من الشرق تعينها القوات السعودية ولفيف من القوات العراقية، وصل عدد القوات العربية المشتركة المشاركة في حرب 1948 ما يزيد عن 66 ألف جندي ما بين مصري وسوري وأردني وسعودي وعراقي، غير الجماعات الجهادية الغير نظامية التي أدت أداءً بطوليًا في الحرب.”

.. “وعلى الجانب الآخر لم ترضخ بريطانيا لأن تسلِّم حليفتها هكذا بدون ظهر، وصل الدعم السريع إلى إسرائيل، باتت أرضنا أشبه بساحة حرب عالمية، تَدَخُّل بريطانيا وفرنسا أكسب الحرب ضراوة أشد مما كانت عليه، عادت القوات العربية تتقهقر قليلًا، جاء وقت ترتيب الصفوف، تسلمت مصر قيادة الحرب كاملةً، بدا أن الجبهة الشرقية أقل الجهات العربية قوة، تجمعت قادة الألوية العربية التي شاركت في الحرب، ترأس اجتماعها قائد الجيش المصري، حُدِّدت ساعةً للصفر، ساعة لنهاية الدولة المزعومة.”

“باتت المعركة أشبه بالمحسومة إثر تدخل الجانب الأمريكي الذي لم يُرد لما أسماه التحالف العربي بأن يتدخل في شؤون الأراضي الفلسطينية، انسحبت العراق بطريقة رسميةٍ وغير رسمية، تراجعت بعض القوات الأردنية وبات الموقف أشبه بالمتميع، أما بعضُ القوى فقد اختارت أن تبقى وتواجه ولو وحدها كان منها الفصائل غير النظامية وسوريا ومصر، مفاوضات رسمية وغير رسمية أعقبها مواجهات فردية في أراضي فلسطين المتفرقة.”

“حانت المعجزة التي انتظرناها يا ولدي مذ شهور، الجيشً المصري وعلى حين غفلة من الجميع يباغت الفيلق الحدودي الصهيوني، فُتحت الجبهة الغربية، في يوم 25 يونيو 1948 كان النصر حليفنا، انسحبت الجيوش الأوربية وعاثت الجيوش العربية في أراضي اليهود، كذا عادت القوات التي كانت قد انسحبت، فاجأ الجانب الأردني معسكر “الهاجانا” الكبير في 22 يوليو 1948 بهجمات قوية استهدفت معسكرات السلاح مما أدى إلى نقص كامل في الإمكانيات المتاحة للجيش الصهيوني، تدخل الجانب الأمريكي وقتها تدخلًا يشي بالتخبط الكامل في الصفوف غير الغربية، انتصرنا ولو في الجولة الأولى من المعركة، هكذا ظننا أن الحرب لن تنتهي بهذه الجولة، وقد كان.”

 “جمع الغربُ شتاتهم، وصلت الإمدادات الجديدة إلى الجيش الإسرائيلي ضعف ما كانت عليه في السابق، إلا أنه فقد كثيرًا من الأراضي التي يملكها، كانت هذه هي نقطة الحسم، غرف العمليات في الجيوش العربية كان على استنفارٍ دائم، استمرت العمليات الاستشهادية في أراضي القدس، وحيفا والناصرية وباقي معسكرات اليهود، نقتل منهم يوميًا ما يزيد عن عشرةٍ من خيرة ضباطهم وجنودهم، لم تُجْدِ الإمداداتُ الغربية ولم تقدم جديدًا انسحبت أمريكا رسميًا فيما أسمته بيان تقرير المصير، الذي قالت فيه أنها ستذر الشعب الفلسطيني والإسرائيلي يختاران أي حكومةٍ وأي تقسيمٍ يرتضون، كانت تلك هي القشّة التي قصمت رأس البعير.”

ختم “الختيار” حديثه قائلاً: “توقفت عمليات الهجرة التي كانت قد بدأت قبل أكثر من ثلاثين عامًا، اليوم فقط في 9 سبتمبر 1948 يتوقف الإنزال الذي كان مستمرًا بشكل دوري، اليوم فقط يفرُ الإسرائيليون من جنباتِ مدينتنا ويهرعون إلى بلادهم أو إلى موطنٍ جديد، توقفت بريطانيا عن الإدلاء بالتصريحات وانسحبت كحليفتها أمريكا، تفككت عصابات الهاجانا إثر اغتيال قائدها يغال يادين، مطلع ديسمبر من العام 1948، استمرت المناوشاتُ بيننا وبينهم إلى منتصف العام 1949، انحصرت الكتائب الإسرئيلية في يافا حتى تم اعتقال الكثير منهم، وفرار الأغلب في مطلع عام 1950. بمرور عام 1950 تم تشكيل جيش فلسطيني بقيادة عبدالقادر الحسيني، وبدعم لوجستي ومادي من كامل الدول العربية، الله يديم ترابطنا يا ولدي، هذهُ حكاية حرب 1948 التي سألتني عنها.”

قمتُ من مجلسي وأنا ألمحُ في عينيه كلماتٍ لم تُقال، أغلقتُ التسجيل ونظرت إليه، قال لي بنبرةٍ حزينة؛ إياك أن تعتقد يا ولدي أنه سيأتي يومٌ يفتت فيه الغرب توحدنا وتصبح فلسطين مرتعًا للأنجاسِ من اليهود، إياكَ يا ولدي، إياك تضيعوا القدس، ولا تضيعوا فلسطين، فلسطين ماهي أرضنا وبس، فلسطين بقعةٌ من أجل البقعِ في الأرض، ولا يصحُ أن يدنسها فاجرٌ بقدمه، إياك أن يكون الأقصى في يوم من الأيام؛ دخوله والخروج منه مرهونًا بموافقة “الهاجانا” أو أيًا يكن الاسم الذي سيًطل عليكم به الإسرائيليون وقتها، هم سيعودون وأنتم يا معشر الجيل الجديد من ستواجهونهم، نحنا سوينا اللي علينا وخلصنا، الأرضُ أمانةٌ في أعناقكم، والأقصى الأقصى يا بُني، إياكم تفرطوا فيه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق