قصص قصيرة

وشاحُ الذكرى

تفحصت ملامحهم واحدًا تلو واحد، ضياء صاحب الشعر الأشقر والعيون العسلية ذاك الذي تغازله بناتُ الحي كلهن، زياد صاحب الندبة في خده الأيسر، القصير ذو الصوت الندي.  دقات قلب معاذ كانت خافتةً جداً، كان يشد على أيدينا، يُلهب مشاعرنا؛ أي يا رفاق ألم نرِد الشهادة؟!، هذهِ هي قد أتتكم، لحظات قليلة تفصلكم عنها، أما نحيب حُسام فقد بدا واضحًا، لم يخطر بباله أن يكونَ دوره في لعب الغميضةِ بهذا السوء، أدار الوشاح حول فمِه ليخفي نحيبه لكنه بدا عاليًا بعد أن أحس بتلاحقِ أنفاسه، زفر بصوتٍ عالٍ أكثر من مرة ثم عاود البكاء، تعالت أصوات القصف في كل جانب، الكُل ينتظرُ رصاصةَ الرحمة التي ستوقفُ خوفَه، لم يستطِع معاذ أن يكتم خوفه أكثر من هذا، غدا يبكي إلى جانب حسام، أما أنا فقد كنت صامتاً، أتفرس ملامحهم فقط، أشد على يديّ وأتساءل، ترى أين أنتم يا رفاق بعد عشرِ سنين، كثير!

بعد خمس، لا لا بعد سنة من الآن، أين سيلتجئ كل منكم! كان عماد واحداً من عصابتنا، لكنه هاجر رفقة أهله إلى أوروبا، ربما أيقن أهلُه أن النجاةَ لن تكون في الوطن، حين سألته هل سيعود؟ أجابني بأنه سيقضي إجازته بصحبةِ والديه ثم يعود، ربما شهرًا أو أقل.. طال الشهرُ يا صديقي، أصارَ لكَ رفقةٌ مثلنا، أم أنك تُلِحّ على والديكَ أن تلتقينا، مضت خمسُ سنين، وما زلتُ أنتظرُ عودتك.

أتساءلُ دائمًا: لماذا لم نُسافر رفقة عماد، يجيبني حسام لو كان السفرُ إنساناً لقتلتُه؟ لماذا يمقت السفرَ إلى هذا الحد، أدري أنه لم يرى أخويه منذ تغربا قبل سنتين، لكني لا أجدُ دافعًا لبغضهُ لفكرة السفر؟ هل سنبيتُ أعمارنا كلها نتلاشى قصف البيوتِ ورصاص الجُناة؟! سيأتي اليومُ الذي نُسافرُ فيه، أو يسافرُ الجُناةُ عنَّا فنبقى وحدنا بلا ذعرٍ أو ضجر.

تعالت الأصوات أكثر من ذي قبل، بدا شهيقُ زيادٍ متسارعًا، ظل يصيحُ: “أمي.. أمي”.. ترى أين أمي الآن؟ هل تحتضن أختي صاحبة العامين وتطوفُ بها تحت البيوتِ هربًا من القصف؟ أم تراها انطلقت إلى النفقِ المُجاورِ للمدرسةِ الثانوية المقابلة لبيتنا؟ أم أن القصفَ قد أزالَ بيتنا فصارت أمِي بمحاذاته تلفظُ أنفاسها الأخيرة؟

أين سنكونُ بعد عامٍ من الآن يا رفاق؟ أعلم أن والدَ ضياء يفكرُ بالسفرِ إلى كندا، قال إنه يعمل على الأوراق الرسمية، وإن اقتضت الحاجة فسيبيع ما يملك، ويلجأ إلى السفر غير الشرعِي، استحالة الحياةُ هنا أعمت نظرهُ عن النظر إلى مفاتن وطننا، مرَّرتُ فكرة السفر على والدي، قال: يا بُني يومًا سيكون وطنُنَا بخير، ما الداعي في أن نتركه؟ ، ولمن سنتركه! .. لم أجد جواباً، لكني حبذت فكرة السفر، كان المانع الوحيد أني لن أرى رفقتي كل مساء، لن نلهو ونتسابق، لن نلعب بالوشاح ذاته الغميضةَ ذاتها كل يوم، ثم كيفَ نُسافر ونتركُ وطننا؟!

كيف سيبيتُ الوطنُ من دوننا؟ أم أنَّا بهياكِلنا لا نستعصي على الوطنِ كي ينسانا؟ هل سينسى وطنُنَا أننا ما فتئنا نحبه، ننظمُ الأشعارَ حين ذكره، ونغضبُ حينَ يهجوه أحدُهم بقصدٍ أو دونِ قصد؟ هل سينسى الوطنُ أننا ما التجأنا إلى غيرِه إلا رغبةً في خفضِ ضجيج صراخِنا عنه، هل سينسانا الوطنُ؟ أم سنبيتُ ليالينا الأولى ثم ينهرنا الوطن فنخر عائدين!

حدِثُوني عن حضن الوطن، أي حضن يلفظُ من ارتمى به إلى هذه الدرجة، لا يمكِنُ أن يلفظَ الوطن أهلهُ بالقسوةِ تلك، أين ستكونون يا رفاق بعد عامٍ من الآن، صِحتُ والعبرات تنهمِرُ على وجنتي، لم يحر أحدهم جوابًا، باغتت قذيفةٌ البنايةِ المُجاورةِ لنا، التهبت بنايتنا بالنار، لم يستطيعوا أن يحتملوا الحرارةَ، ففروا. 

فروا.. من الموت ظانين أنهم احتموا بشوارع وطنهم من الحياة، من قال إن الموت قاسٍ، الموتُ يقطعُ قسوةَ الحياة، لم يعد من خيارٍ غير اللحاقِ بهم، يا إلهي! البنايةُ المقابلةُ لنا تتهاوى، أهؤلاءِ هُم، يحتمي أحدهم بكتفِ الآخر من السورِ المُهشم، سقطت البنايةُ على أرواحهم، أراحتهم من بأسِ الطائراتِ، وعراكِ الأصوات، التهمت النارُ ما تبقى من رمادٍ على حائطي الجدار.

توقف القصف، لم أرَى نفسي إلا وأنا أحتضنُ الأنقاضَ بجسدي الهزيل أحاول بما تبقى لدي من رمقٍ أن أُزيحَها عن أجسادهم، أبعدني أحد الناجين، طلبت النجدة منه، هنا يرقد أصدقائي، أفسح لي المجال كي أقّبلهم، فقط قُبلةَ الوداع، أعلم أنهم ماتوا، أو كتسمية معاذٍ استشهدوا لكني لم ألقَ منهم جواباً ترى أين ستكونون يا رفاق بعد عامٍ من الآن؟ لم يجبني أحد.. أسرعت إلى البنايةِ المهدمةِ مجدداً أستخرجُ الحجارة واحداً واحداً، ظهر الوشاحُ الذي كانت عينا حسام تختبئ حوله حين كان ينادي علينا أثناء لعبنا الغميضة.

كففت عن البكاء، تناولت وشاحَ الذكرى هذا، لففته حول صدري ومضيت، الآن أعرف أين سيكونون بعد عامٍ من الآن، ولن انتظرَ الإجابة. 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق