تاريخ

ولاة مصر في العصر العباسي الأول

ولاية صالح بن علي العباسي الأولى. 132 هـ إلى 133 هـ

صالح بن علي العباسي أول ولاةِ بني العباس على مصر، تولى حُكم مصر مرتين، الأولى بعد قتله لمروان بن محمد وبسط نفوذه وأخذ البيعة لسلطان العباسيين عبدالله بن محمد بن علي الذي لُقِبَ بالسفاح وذلك عام 132 هـ. وكان صالحُ -والي مصر- هو عمُ الخليفة السفاح وقد أخذ صالح على عاتقه إصلاحَ القُطرِ المصري وقَبَض على الكثير من أمراء وشيعة بني أمية، فقتل بعضهم وهجَّر بعضهم الآخر إلى العراق ليتم إعدامهم فيما بعد في فلسطين.

أعاد تقسيم الصدقات بشكل سديد على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، وزاد في المسجد زيادة كبيرة، ثم جاءه كتاب عبدالله بن محمد السفاح يأمره بالانتقال إلى إمارة فلسطين واستخلافِ والٍ على مصر فترك على مصر أبا عون عبدالملك، وخرج إلى فلسطين ومعه عبدالملك بن مروان بن موسى آخر والٍ للأمويين على مصر معززًا مُكرمًا، وكان يعدهُ من أهل مصر ومن أهل شورته كذلك وذلك عام 133 هـ.

ولاية أبو عون عبدالملك الأولى. 133 هـ إلى 135 هـ.

تولى أمر مصر حين استخلفه صالح بن علي العباسي على أمر مصر عام 133 هـ عندما ذهب إلى فلسطين، وهو عبدالملك بن يزيد ويقال له أبو عون  وهو المؤسس الحقيقي للعسكر، وذراع صالح بن علي اليمنى حين كان واليًا على مصر ولذلك خلفه حينما  ذهب إلى فلسطين واستمر بها، وحارب القبط لخروجهم  عليه فقتل منهم خلقًا كثيرًا واستمر في سياسة بني العباس من توطيد الحكم لهم والقبض على من يخالفهم إلى أن تم عزله من قبل السفاح وتولية صالح بن علي مرة أخرى على مصر وفلسطين مرة أخرى، واستمرت ولاية أبو عون ثلاثة سنوات إلا شهرًا وكان عزله في عام 136 هـ.

ولاية صالح بن علي العباسي الثانية. 136 هـ إلى 137 هـ.

تولى صالح بن علي العباسي ولاية مصر ثانية وأتى إليها في جيوش كبيرة وعين عليها أبو عون ليغزو بلاد المغرب وبينما هو ببرقة جاء الخبرُ بوفاة السفاح وتولية أبو جعفر المنصور الخلافة من بعده فأقرَّ المنصورُ عمه على ولاية مصر، وأمر بعودة أبو عون فمكث أبو عون في بُرقة بليبيا أحد عشر شهرًا ثم تحرك صوب فلسطين وقاتل الخوارج هُناك وقتل منهم كثيرًا وسيَّر منهم إلى مصر ثلاثة آلاف شخص، ثم انطلق صالح إلى فلسطين عام 137 هـ وأمَّر على مصر أبو عونٍ مجددًا وحارب الروم في مرج دابق وهزمهم عام 141 هـ ومات في حمص.

ولاية أبو عون عبدالملك الثانية. 137 هـ إلى 141 هـ.

تكرر الأمر كما كان في المرة الأولى تمامًا، ولاهُ صالح العباسي على صلاة مصر وخراجها عام 137 فظل واليًا على مصر وخرج صالح بن علي العباسي، واستمر كذلك إلى أن قدم الخليفة أبو جعفر المنصور إلى بيت المقدس فأرسل في طلبه فلما آتاه عزله عن إمرة مصر وطلب منه أن يلازمه ما دام خليفة للمسلمين، وولى من بعده موسى بن كعب. فكانت ولايته تلك ثلاثُ سنواتٍ وستةُ أشهرٍ، وشهد مع المنصور عدة معارك ولازمه حتى مات.

ولاية موسى بن أبي كعب. 141 ه

تولى موسى بن أبي كعب ولاية مصر بعد عزل أبو عون عنها عام 141 هـ.  وكان أحد كبار الداعين لدولة بني العباس في أول أمرها وأخذ وعذبه عاملُ بني أمية على خراسان وكُسرَت أسنانه وحُبس فترة ثُم أطلق صراحة، وكان أول من بايع أبو العباس السفاح بالخلافة.

لما تولى مصر كان شديدًا غليظًا، ونزل عاصمة مصر الجديدة “العسكر” ونهى الجند أن يدخل أحدهم عليه، أو يعترضه أحدهم إلا في أمرٍ مهم، وقيل أن من دخلوا ببابه طيل فترة ولايته لمصر كانوا محدودين جدًا، وعزله أبو جعفر المنصور وكتب إليه أني عزلتك على غير سخط ولكن بلغني أن عاملًا يُقتل بمصر يُقال له موسى، فكرهت أن تكون أنت. فأتى المنصور ولم تُكمل ولايته عام.

وبالفعل قُتل بعد ذلك بسنين موسى بن مصعب في خلافة المهدي. لكن شيئًا ظلَّ في صدر موسى بن أبي كعب لأنه فهم أن أبو جعفر أرادَ عزلهُ لشيءٍ فيه هو.

ولاية محمد بن الأشعث. 141 هـ إلى 143 ه.

تولى محمد أمر مصر في ذي الحجة من عام 141 هـ، وعزله أبو جعفر المنصور عن مصر في صدر عام 143 هـ، جهز جيشًا للقتال في المغرب فهُزم ذلك الجيشُ وعاد إلى مصر وكانت فترته في حكم مصر عاديةً إلى حدٍ كبير، وصله كتابُ عزله وهو في الإسكندرية فانطلق إلى أبو جعفر فأكرمه وأحسن نزله وظل مرافقًا له في إمرة جيوشه واستشارته.

ولاية حميد بن قحطبة على مصر 143 هـ إلى 144 ه.

أتى إلى مصر في عشرين ألف من جنود بني العباس في عام 143 هـ، ثم أرسل إليه أبو جعفر المنصور ستة آلاف جندي آخر لغزو إفريقية، فأمَّر عليهم أبو الأحوص العبدي وأرسله إلى بُرقة لملاقاة أبي الخطاب الأنماطي فهُزِمَ جيشُ بني العباس بقيادة أبو الأحوض ولما عاد إلى مصر، انطلق حميد بن قحطبة بنفسه ولقي جيش أبي الخطاب فهزمه وقُتل أبو الخطاب نفسهُ ثم عُزل حميد بعد ذلك في ذي القعدة عام 144 هـ.

ولاية يزيد بن حاتم على مصر 144 هـ إلى 152 هـ.

تولى ولاية مصر بعد عزل حميد عامل 144 هـ، كان جوادًا شُجاعًا وكان المنصور يُجله ويحبه جدًا، وفي بداية أيامه ظهرت دعوة أبناء الحسن بن علي وتكلم الكثير عنها وبايعهم عدد كبير من الناس في السر وانتشرت الشائعات بأن أبناء الحسن بن علي قد تمت لهم البيعة وكاد أمرهم أن يتم لكن قُتل أحد كِبارهم وهو إبراهيم بن عبدالله بن حسن بن الحسن بن علي وعُلق رأسه في المسجد فانتهت أمر تلك الدعوة.

أتاه أمر المنصور بالتوجه إلى الفسطاط، وتحويل دار الإمارة إلى هناك في عام 146 هــ، وفي عام 147 هـ حارب الخوارج في الحبشة واستطاع الإتيان برؤوسهم لتعلق في الفسطاط ثم أُرسِلَت إلى الخليفة المنصور في بغداد فضم المنصورُ إلي يزيد برقة مع مصر وكان 149 هـ.

خرج الأقباط عليه في ثورة بالوجه البحري فأرسل إليهم جيشًا فهزموه فصرفه المنصور عن خلافة مصر عام 152 هـ.

ولاية عبدالله بن عبدالرحمن بن معاوية 152 هـ إلى 155 هـ

هو حفيد معاوية بن حديج الذي دخل مصر في جيش الفتح أول ما فُتحت مصر، وكان من أنصار معاوية بن أبي سفيان الذين طالبوا بالثأر لدم عثمان، وكان جده أيضًا من كِبَار قادة بني أمية وكان واليًا على إفريقية. وكان هو أحد كِبارِ بني أمية ولكنه طلب الأمان فجاءه وكان أول من أخذ الأمان من أنصار بني أمية.

تولى عبدالله بن عبدالرحمن ولاية مصر عام 152 هـ بعد عزل يزيد بن حاتم وانتقل بالإمارة إلى العسكر مجددًا كعادة أمراء بني العباس لكنه خرج إلى الخليفة واستخلف أخاه على ولاية مصر ثم عاد إليها في سنة 154 هـ، ظل في مصر يُباشر أعمال الولاية والإمارة حتى تُوفي في صفر عام 155 هـ.

ولاية محمد بن عبدالرحمن بن معاوية 155 هـ

تولى مصر باستخلاف من أخيه عليها في حين ذهابه إلى المنصور ثم بعد ذلك في مرضه. أقره المنصور عليها بعد وفاة أخيه لكنه لم يدم طويلًا حتى لازم الفراش ثم مات في نفس العام الذي تولى فيه إمارة مصر، فلم تدم مدة ولايته أكثر من ثمانِ أشهرٍ فقط.

سكن العسكر كدارٍ للولاية كما فعلَ أخوه، وجهز جيشًا ليقاتل في إفريقية بقيادة يزيد بن حاتم، كان حسن السيرة وأحبه المصريون لكن مرضه حال بينه وبين أن يواصل أمور الإمارة فاستخلف من بعده موسى بن علي بن رباح وكان ذلك عام 155 هـ.

ولاية موسى بن علي بن رباح. 155 هـ إلى 161 هـ.

تولى أمر مصر بالاستخلاف بعد وفاة محمد بن عبدالرحمن، فأقره الخليفة أبو جعفر المنصور على إمارة مصر، خرج عليه الأقباط في ثورةٍ كبيرة فأرسل إليهم جيشًا فقاتلوهم فهُزم الأقباطُ هزيمة كبيرة فقتل بعضًا منهم وعفا عن البقية، استطاع أن يمهد أمور مصر جيدًا، وكان رفيقًا لينًا مع الناس، كان يتوجه إلى المسجد مع صاحب شرطته فقط وبين يدي صاحب شرطته الحربة، وكان يقولُ لصاحبِ الشرطة ارحم أهل البلاد.

توفى أبو جعفر المنصور في أثناء ولايته على مصر، تحديدًا عام 158 هـ فأقره المهدي على ولاية مصر ثم عزله المهدي في عام 161 هـ لتكون مدة ولايته على مصر ست سنوات.

ولاية عيسى بن لقمان 161 هـ إلى 162 هـ.

تولى مصر في آواخر عام 161 هـ وعزله المهدي عنها بعد خمس شهورٍ فقط أي في ربيع الأول عام 162 هـ.

ولاية واضح بن عبدالله 162 هـ.

تولى إمارة مصر بعد عزل عيسى بن لقمان ووصل مصر في جمادى الأول عام 162 هـ وسكن العسكر وكان شديدًا غليظًا كرهه المصريون وشكوه إلى أمير المؤمنين المهدي، فعزله عن الإمارة في رمضان من العام ذاته 162 هـ، ولما عُزل انضم إلى معسكر العلويين فقُبض عليه بعد ذلك وأتي به إلى الخليفة الهادي موسي الذي تولى الخلافة بعد المهدي فقتله وصلبه في عام 169 هـ وقيل أن من صلبه كان هارون الرشيد.

ولاية منصور بن يزيد 162 هـ.

تولى إمارة مصر بعد عزل واضح بن عبدالله وكان ابن خال الخليفة المهدي، كان متقلب المزاج يعين صاحب شرطة ثم ما يلبث أن يعزله، عزله المهدي عن ولاية مصر فلم يمكث في الولاية أكثر من شهرين وبضع أيام عين فيهما ثلاثة أصحاب للشرطة وكانت ولايته وعزله عام 162 هـ.

ولاية يحيى بن داوود 162 هـ إلى 164 هـ.

هو يحيى بن داوود الملقب بأبو صالح الخرسي كان شديدًا فيه بأسٌ وقوة، تولى أمر مصر عام 162 هـ انتشر قبل مجيئه قُطاع الطريق فقمعهم وأبادهم وقتَّل فيهم كثيرًا، عظمت هيبته في قلوب الناس حتى زاد ذلك عن الحد، وانتشر في عهده الأمان إلى حد كبير، فكان يُنادي بمصر فيقول من ضاعَ له شيءٌ فعليّ أداؤه، ومنع حُراسَ الحمامات أن يجلسوا فيها وقالَ من ضاع له شيءٌ فأنا أقول به من مالي، كان أشد ولاة مصر وأكثرهم هيبة وأجرؤهم على سفك الدم كان يقول أبو جعفر المنصور قبل وفاته عنه أنه رجلٌ يخافني ولا يخافُ الله!

عزله الخليفة المهدي في شهر المحرم عام 164 ففرح المصريون بعزله فرحًا شديدًا وفي قلوبهم غصة من عزله، ذلك لأنه مهد الديار المصرية وأباد أهل الخوف من اليمن ومن قيس وغيرهم من قطاع الطريق وكان جليلًا لولا قسوة كانت فيه.

ولاية سالم بن سواده التميمي. 164 هـ إلى 165 هـ.

تولى إمارة مصر بعد عزل أبو صالح الخرسي وكان ذلك عام 164 هـ وعزله المهدي في المحرم من العام 165 هـ فكانت مدة ولايته سنة وبعض أيام، وكانت فترة حكمه مليئة بالحروب ببلاد مصر وبلاد المغرب، أرسل جيشًا إلى من كانوا في برقة فعاد إليه الجيش دون قتال لما بلغهم الفتنة التي كانت بالمغرب.

ولاية إبراهيم بن صالح العباسي. 165 هـ إلى 167 هـ.

تولى إمارة مصر مرتين المرة الأولى عام 165 هـ وهو ابن عم الخليفة المهدي، واستمرت ولايته على مصر حتى خرج دحية بن المعصب بن الأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان بالصعيد، فتغافل عنه ولم يكترث له، حتى استفحل أمره وقويت شوكته وكاد أمرهُ أن ينتهي إلى العسكر والفسطاط فسخط عليه المهدي سخطًا شديدًا وعزله عزلًا قبيحًا وغرمه هو ومن معه ثلاثمائة وخمسين ألف دينار نكاية به على إهماله لمثل تلك البلوى. ثم رضي عنه بعد ذلك، وسيتولى إبراهيم هذا ولاية مصر مرة أخرى وكانت ولايته الأولى سنتين وبعض أشهر وعُزل في أواخر عام 167 هـ.

ولاية موسى بن مصعب 167 هـ إلى 168 هـ.

تولى أمر مصر في ذي الحجة من عام 167 هـ، وكان آثمًا ظالمًا غاشمًا، كان يتشدد على الناس وزاد عليهم المكوس والضرائب واشتكي منه الناس كثيرًا وارتشى في الأحكام، ثار عليه القيسية واليمنية وسلطوا عليه الجُند ثم انشغل هو بأمر دحية الأموي الذي خرج بالصعيد وجهر إليه جيشًا ثم خرج بنفسه لقتال القيسية واليمنية فلما التقوا تركه أهم مصر وأصبح يُحارِبُ وحيدًا في بعضٍ من جنده، فقُتل وكان قتله عام 168 هـ

يروى أن أحد العلماء وهو الليث بن سعد جلس في خطبته للجمعة فكان يقول قول الله: “إنا أعتدنا للظالمين نارًا أحاط بهم سرادقها” فقال اللهم لا تقهِ منها.

والغريب أن المنصور لما عزل موسى بن كعب أميره على مصر كتب إليه قائلًا: “إني قد عزلتك لا لسخط ولكن بلغني أن غلامًا يُقتل بمصر يُقالُ له موسى فكرهتُ أن تَكُونهُ”. وظل المصريون يتذاكرون هذه العبارة حتى مات موسى بن مصعب بعده بسبعٍ وعشرين عامًا.

ولاية عسامة بن عمرو على مصر. 168 هـ

تولى إمارة مصر نيابة عن موسى بن مصعب حين كان يقود جيشه، ولما قُتل موسى عام 168 هـ أقره الخليفة المهدي على إمارة مصر، أرسل جيشًا بقيادة أخيه بكار بن عمرو للقضاء على دحية الأموي الخارج بالصعيد، فتقاتل الجيشان جيشٌ يقودهُ بكار وجيشُ دحية بقيادة قائدهِ يوسف بن نصير، فتقاتلا فوضع يوسف الرمح في خصر بكار ووضع بكار رمحه في خصر يوسف وعاد الجيشين منهزمين.

في أثناء الهزيمة، جاءتهُ رسالةُ الفضل بن صالح العباسي أنهُ قد وُليَّ مصر وقد استخلفه على الصلاة حتى يأتي مصر. فظل واليًا على مصر حتى أتاه الفضل بن صالح في محرم عام 169 لتنتهي إمارته التي لم تتعد ثلاثة أشهر.

 

الفضل بن صالح العباسي. 169 هـ.

ولاه المهدي على إمارة مصر ومات قبل أن يصل إلى مصر، فأقره الخليفة الجديد موسى الهادي على الإمارة وكان ذلك في المحرم عام 169 هـ، فلما وصل مصر وجد الأمور غير مستوية تمامًا فالأمورُ مضطربة في جزيرة حوف بالوجه البحري، وجيش دحية الأموي يسيرُ في الصعيد ويعثو كما شاء، وكانت شوكته وأتباعه يكبرون يومًا بعد يوم، خاصةً بعد تغيير الأمراء مرةً بعد مرة.

جهز الفضل جيشه القادم به من الشام، فقاتلهُ جيشُ الفضلِ فهزمه وقتلَ الكثيرَ من أمرائه وأُسِرَ دُحية نفسه بعد كثير من المناوشاتِ والحروب، فأتي بهِ إلى الفسطاط وقتله الفضل وصلبه، ثم أرسل برأسهِ إلى الخليفة الهادي الذي تولى الخلافة بعد وفاة المهدي ببغداد، وكان الفضل يقولُ أنهُ أولى الناس بإمارة مصر، لعجز الأمراء قبله عنه، وقد كان أمره أن يتم أو يطول أكثر وهو في ذلك محقٌ، وكان قتله له وإرسالهِ إلى الهادي بمثابة قربانٌ لتثبيته على الإمارة في مصر.

لكن الهادي لم يتركه يهنأ بالإمارة كثيرًا، فما لبثَ أن جاءه رسولُ الهادي يعزله عن مصر ويولي عليها علي بن سلمان، فندم الفضل على قتل دحية بعدها ندمًا شديدًا وكان ذلك في نهاية عام 169

وكان الفضل مُحبًا للعمارة فقد بنى المسجد الجامع بمدينة العسكر عاصمة العباسييين في مصر. وعمَّر قبل ذلك أبواب جامع دمشق والقبة التي في الصحن وعُرفت بقبة المال، وكان أميرًا مقدامًا شجاعًا توفى بعد ذلك عام 172 هـ.

ولاية علي بن سليمان. 169 هـ إلى 171 هـ.

ولاهُ موسى الهادي على مصر بعد عزل الفضل عام 169 فاستمر حتى توفى الهادي فأقره هارون الرشيد على صلاةِ مِصر وخِراجها، وكان رحمه الله عادلًا رفيقًا رحيمًا، أوقف التجارة في الخمور لكنه هدم بعض الكنائس وكان القِبط يرجونه أن يبقي على كنائسهم فأبى، وكان قريبًا من الرعية، فمال الناسُ إليه فلما مالوا إليه رأى في نفسه أنه يصلُح للخلافة وطمع في ذلك، وحدث بعض المقربين إليه بالأمر غير مازحًا، فكتب بعض أهل مصر إلى هارون الرشيد يوشون بهِ فلما عرف هارون ذلك غضب وعزله عن إمارة مصر، فكان عزله عام 171 هـ وأتم في مصر نحو عامٍ وثلاثة أشهر.

ولاية موسى بن عيسى. 171 هـ إلى 172 هـ

تولى إمارة مصر ثلاث مرات المرة الأولى بعد عزل علي بن سليمان، عام 171 هـ وكان رفيقًا عادلًا مُحبًا للرعية ولمصر عمومًا، يروى عنه أنه كان كثير الجلوسِ إلى النيل مع بعض قومه وكثير التنزُهِ في شوارِع مصر، فقال مرة لأصحابه هل ترون ما أرى فقالوا وما يرى الأمير! فقال: “أرى ميدان رهان وجنان نخل وبستان شجر ومنازل سكنى وذروة جبل وجبانة أموات ونهر أعجاجا وأرض زرع ومراعي ماشية ومرتع خيل وساحل بحر وصائد نهر وقانص وحش وملاح سفينة وحادي إبل ومفازة رمل وسهلاً وجبلاً، فهذه ثمانية عشر منتزهاً في أقل من ميل في ميل”.

وأمر موسى ببناء الكنائس التي كان سلفه أمر بهدمها، وصالح الأقباطَ وعمل على الرفقِ بهم واستمر في ولاية مصر إلى أن أتاهُ الرسولُ بعزله عن مصر في عام 172 هـ وتولية مسلمة بن يحيى.

ولاية مسلمة بن يحيى 172 هـ إلى 173 هـ.

تولى مسلمة ولاية مصر عام 172 هـ بعد عزل موسى بن عيسى وتوليه الكوفة وكانت ولايته كثيرة الفتن رغم قِصر مدتها التي لم تتعد العام، فقد نشط أهل الحوف بالبحيرة مجددًا، وكانت الأندلس حينها تعجُ بالحروب والاقتتال بين اليمنيين والقيسيين في هناك، وكان هو متخوفًا من هُجومٍ عليه إلى أن تم عزله هارون الرشيد في عام 173 هـ

ولاية محمد بن زهير على مصر. 173 هـ.

تولى إمارة مصر خمسَ أشهرٍ أو أقل، فقد تولى مصر في شعبان وعُزل في ذي الحجة عام 173 وذلك أنهُ لما وُلي على مصر عين على جمع الخِراجِ عمر بن غيلان فكان شديدًا مع الناس، فانقلب الجُند عليه وحاصروه، ولما بلغ ذلك محمد بن زهير لم يُحرِك ساكنًا، فعرف ذلك هارون الرشيد فغضب ثم عزله. ثم استعمله الرشيد بعده في عدة أشياء، وكان عزله عن مصر عام 173 هـ .

ولاية داوود بن يزيد. 174 هـ إلى 175 هـ.

تولى إمارة مصر من قبل هارون الرشيد فدخل مصر في شهر المحرم من عام 174 هـ وعُيَّن معه إبراهيم بن صالح العباسي على الخِراج وإبراهيم كان قد تولى إمارة مصر قبل ذلك بين عامي 165 هـ وعام 167 هـ. سكن داوود العسكر وعمل على إصلاح أمر الرعية وتطييب ما قد أُفسِدَ في عصر محمد بن زهير بين الجُند وصاحب الخِراج، أتاه الأمر من الرشيد بأخذ البيعة لولي العهد ابنه محمد الأمين ولي العهد من بعده، وهو ابن خمس سنوات ففعل، واستمر على ولاية مصر حتى عزله الرشيد وعين محله موسى بن عيسى الذي كان قُد عُزل قبل مدة لتنتهي إمارة داوود بن يزيد عام 175 هـ.

ولاية موسى بن عيسى الثانية. 175 هـ إلى 176 هـ.

ولاهُ الرشيدُ على مصر بعد عزل داوود بن يزيد عام 175 هـ فحدثته نفسه بالخروج على هارون الرشيد، وكان مُحبًا لمصر وأهلها وأرضها فبلغ ذلك الخليفة هارون الرشيد فقال والله لأعزلنه إلا بأخس من على بابي، ثم قال لأحدِ زبانيته ولِّ مصر لأحقر من على بابي وأبخسهم، فنظر فإذا عمر بن مهران كاتب الخيرزان وكان مشوه الخِلقة ويلبس ثيابًا خشنة فقيل له أتتولى مصر فقال نعم، ثم ذهب إلى مصر فدخل على مجلس موسى فقال له موسى ألكَ حاجة! فرمى إليه الكِتاب، فلما قرأه قال: “لعن الله فرعون حيث قال أليسَ لي مُلكُ مصر”. وسلم إليه مُلك مصر.

وكان إرسال هارون الرشيد عمر بن مهران ما هو إلا نكاية بموسى فقط، لكنه ولى بالفعل من بعده إبراهيم بن صالح العباسي فكان عزل موسى عيسى عن مصر عام 176 هـ.

ولاية إبراهيم بن صالح العباسي الثانية. 176 هـ

ولاهُ هارون الرشيد على مصر مرة ثانية بعد عزل موسى بن عيسى عام 176 هـ، فوصل إلى مصر في جمادى الأول عام 176 هـ، لكن ولايته الثانية لم تدم طويلًا لأنه توفى رحمه الله في شعبان من العامِ الذي وُلي فيه فكانت ولايته الثانية ثلاثة أشهرٍ فقط.

ولاية عبدالله بن المسيب. 176 هـ إلى 177 هـ.

تولى إمارة مصر عام 176 هـ وعُزل عنها في رجب عام 177 ه. حارب أهل الحوف لثورتهم مجددًا، واستنجد به هشام صاحب الأندلس فجهز له عساكرًا ثم بلغه الأمر بعزله وكانت مدة ولايته نحو عشرة أشهرٍ فقط. وعُيِّن بدلًا منه إسحاق بن سليمان.

ولاية إسحاق بن سليمان. 177 هـ إلى 178 هـ

وصل إلى عاصمة مصر في عام 177 هـ لم يُرضهِ ما كان يأخذه باقي الأمراء من الخِراج، فأغلظ على المُزارعين زيادة أفحشت بهم فكرهه الناسُ وخرج عليه جماعة من أهل الحوف فقُتل من جيشه الكثير ومن أصحابه كذلك، فكتب إلى الخليفة هارون الرشيد يُعلمه بالخبر، فعزله عن إمارة مصر بعد توليته الإمارة بعام وبضعة أيام، أي في عام 178 هـ وأرسل الخليفة هرثمة بن أعين ليخلفه على ولاية مصر.

ولاية هرثمة بن أعين. 178 هـ.

ولاه الرشيد على مصر بعد إسحاق في عام 178 هـ وأمره بالشدة على أهل مصر، وأرسل معهُ جيشًا كبيرًا، فقابله أهل مصر بالطاعة وأقرهم على أحوالهم وعمِّل على إصلاح أمورهم ولكن الرشيد عزلهُ عن إمرة مصر في العام ذاته وأمره بالخروج بعساكره إلى إفريقية. وكان صاحب مهابة كبيرة فأذعنت لهُ دولُ إفريقية دون قِتال.

ولاية عبدالملك بن صالح العباسي. 178 هـ إلى 179 هـ.

تولى إمارة مصر في العام نفسه الذي عُزل فيه إسحاق بن سليمان وعُزل فيه هرثمة بن أعين وهو عام 178 واستخلف عبدالملك على مصر إلى حين قدومه عبدالله بن المسيب لكنه لم يدخل مصر حتى عُزل عنها في العام ذاته.

ولاية عبيد الله بن المهدي. 179 هـ.

تولى عُبيد الله ولاية مصر من قبل أخيه لأبيه هارون الرشيد، وصل عبيد الله مصر في شعبان عام 179 هـ، أقام بمدينة العسكر ثم خرج إلى الأسكندرية عندما علِم أن الفرنجة قادمون لغزو مصر من الإسكندرية ليلحقوا بالمسلمين بعض الضرر، لكن عبيد الله بن المهدي خرج بالجنودِ إلى الإسكندرية، فلما علموا ذلك عادوا مُنكسرين، ثم عادَ  عبيد الله لما زال الخطر واستخلف من ورائه عبدالله بن المُسيب الذي تولى إمارة مصر قبل ذلك في تلك الفترة.

استمر عبيد الله المهدي مدة عام واحدٍ فقط في إمارة مصر إلى أن صرفه أخوه هارون الرشيد عنها بموسى بن عيسى العباسي.

ولاية موسى بن عيسى. 179 هـ إلى 180 هـ.

لا أحد يعلم ما الذي حدث تحديدًا، ولكن موسى بن عيسى الذي عُزل نِكاية قبل ثلاثة أعوام يعودُ اليوم مستخلفًا ابنه حتى يصلَ هو، فوصل إلى دارِ الإمارة بالعسكر في ذي القعدة عام 179 هـ فأصلح ما بين اليمنية والقيسية في حوف وأصلح كثيرًا من أمور مصر، واستمر على إمرة مصر مدة عشرة أشهر، ثم عُزل عنها بعبيد الله بن المهدي أخو الرشيد لأبيه وهو الذي تولى مصر قبل موسى بن عيسى وكان عزل موسى في جمادى الآخر عام 180 هـ.

أصبح موسى بن عيسى أحد أكابر الناس في بلاط الرشيد، وحج بالناس في بغداد في عام 180 هـ ثم ندبه الرشيد ليقرأ عهد أولاده بالخلافة في مكة والمدينة، وذلك لأن الخليفة هارون الرشيد كان قد جعل ولاية العهد في هذه السنة لابنه المأمون بعد أخيه الأمين.

ولاية عبيد الله بن المهدي. 180 هـ إلى 181 هـ

تولى إمارة مصر ثانيًا عام 180 فوصل إلى مصر في جمادى الآخر عام 180 هـ ولكن مدة ولايته لم تدم طويلًا لأن هارون الرشيد أرسل في طلبه ليكون ملازمًا لهُ حين شعر أن الأجل قد دنى منه، فعزله وولى إسماعيل بن صالح العباسي وكان ذلك في عام 181 هـ فكانت ولايته لمصر عام واحد وشهرين تقريبًا.

ولاية إسماعيل بن صالح العباسي. 182 هـ.

تولى إمارة مصر خلفًا لعبيد الله بن المهدي، وصل إلى مصر في رمضان 181 هـ، عمل على إصلاح البلاد والعباد، وكان فصيحًا أديبًا عاقلًا لكنه سُرعان ما عُزل لبعض الأمور وكان ذلك في جمادى الآخر عام 183 هـ، ليخلف من بعده إسماعيلًا آخرًا وهو إسماعيل بن عيسى.

ولاية إسماعيل بن عيسى 183 هـ.

تولى مصر بعد عزل إسماعيل بن صالح عام 183 هـ وتحديدًا في جمادى الآخر ولكنه سُرعان ما عُزل بعد ذلك بثلاثة أشهرٍ فقط أي في رمضان عام 183 هـ، والتحق ببغداد ليكون إلى جوار الرشيد.

ولاية الليث بن الفضل 183 ه إلى 187 هـ

تولى إمارة مصر بعد عزل إسماعيل بن عيسى في رمضان، فوصل إلى مصر في شوال من العام 183 هـ، وكان كيِّسًا فطنًا علِّم أن مِصرَ لا يدوم لها والٍ، فأصبَحَ يُنهي العام ثم ينتهي بالخِراجِ ويذهبُ بهِ بنفسه إلى الخليفة هارون الرشيد في بغداد ففعل ذلك بعد عامهِ الأول في عام 184 هـ، وعندما ذهب إلى الرشيد كان مُحملًا بالهدايا والتحف واستخلف أخاه على ولاية مصر ومكث عند الخليفة بعضًا ثم عاد إلى مصر.

وفعل ذات الأمر في عام 185 هـ وذهب إليه لأمر يقتضيه الذهاب إلى هارون الرشيد، فمكث عنده من رمضان 185 هـ حتى عاد إلى مصر في مستهل عام 186 هـ، وفي شعبان من هذا العام خرج عليه أهل الحوف ورفضوا إعطاءه الخِراج ووصلوا إلى الفسطاط وحاصروها، فخرجَ إليهم بأربعة آلاف جندي فهُزم أول الأمر وتبقى إلى جواره مائتان من جنده فقط، لكنه استطاع بهم أن ينتصر وتبعهم وقتل منهم كثيرًا وهُم مدبرين.

رفض أهل الحوف بعد ذلك أن يأتوا بالخِراج إلى الليث بن فضل، فلم يجد بن فضل بُدًا إلا الذهاب إلا الرشيد ليستشيره ويستأذنه في جيشٍ ليقضي به على شوكتهم، فأبى هارون الرشيد وأرسل إليهم محفوظ بن سليمان ليأخذ الخِراجَ منهم باسم الخليفة هارون الرشيد فوافقوا دون أن يُبدوا اعتراضًا واحدًا. ثم عُزل الليث عن ولاية مصر في عام 187 هـ.

ولاية أحمد بن إسماعيل. 187 هـ إلى 189 هـ

تولى أحمد بن إسماعيل ولاية مصر في جمادى الآخر عام 187 هـ بعد عزل الليث بن فضل عنها، سكن بدار الإمارة بالعسكر كما فعل من قبله ولاة بني العباس، وفي مدة ولايته طلب منه والي إفريقية إبراهيم بن الأغلب النجدة فأمده بالجنودِ ثم حاربوا في صفه ثم عادوا.

وكان السبب في ذلك أن أهل طرابلس قد زادت مناوشاتهم، وكان يطالبون إبراهيم بن الأغلب كلما اتخذ أميرًا بعزله، وخرجوا على سفيان بن المضاء بعد أقل من شهرٍ على ولايته، وكان قد وُليّ عليهم ثلاث مراتٍ قبل ذلك، وقامت بينهم حروبٌ كثيرة، بين القبائل وبعضها فلم يجد إبراهيم بُدًا من طلب العون من والي مصر أحمد بن إسماعيل الذي أعانه حتى خمدت الفتن.

استمر أحمد بن إسماعيل على ولاية مصر إلى أن تم عزلُهُ في شعبان عام 189 هـ فكانت ولايته سنتين وشهر ونصف.

ولاية عبدالله بن محمد. 189 هـ إلى 190 هـ.

تولى عبدالله بن محمد إمارة مصر بعد عزل أحمد بن إسماعيل عنها، ووصل إلى مصر في شوال عام 189 هـ لكن مدة ولايته لم تطل فعُزل في شعبان من عام 190 هـ لأن هارون الرشيد كان بحاجة إليه في بعض الأمور، فلما أنجزها طلب منه ولاية مصر ثانيةً فرفض هارون الرشيد، واستمر في كونه أحد قادته المقربين إلى أن مات.

ولاية الحسين بن جميل. 190 هـ إلى 192 هـ.

هو الحسين بن جميل مولى أبو جعفر المنصور على مصر، تولى إمرة مصر بعد عزل عبدالله بن محمد عنها، وصل مصر في شهر رمضان من العام 190 هـ، اشتد على الناس في الخراج، فخرج عليه أهل الحوف وكان شديدًا معهم في الوقت الذي كان أحد الخوارج يُقال لهُ : أبو النداء يدعو لنفسه في قرية بالشام وكان يقطع الطريق ويفسد في الأرض، فتجهز له جيش هارون الرشيد وأخرج الحسين بن جميل له جيشًا لملاقاته قبل وصول الخليفة، فلما التقى الجيشان هُزم أبو النداء ووصل جيش الرشيد إلى بلبيس.

لما رأى أهل الحوف جيش الخليفة اذعنوا له ودفعوا الخراج كاملًا ووُصي الحسين بأهل مصر، فعمل على إصلاح ما يجري فيها إلى أن عُزل من إمارة مصر في ربيع الأول 192 هـ.

ولاية مالك بن دلهم. 192 هـ إلى 193 هـ.

تولى مالك بن دلهم إمارة مصر بعد عزل الحسين بن جميل، ولاهُ الرشيدُ عليها فدخل مصر في ربيع الأول سنة 192 هـ، وفي عهده جمع يحيى بن معاذٍ قائد جيش هارون الرشيد قادة القيسية واليمنية بالحوف وقال أنه يريد أن يوصي بهم لأمير مصر الجديد فلما دخلوا عليه قيَّدهُم، وسار بهم وكان ذلك في شعبان أي بعد تولى مالك بن دلهم بأشهر قليلة. عُزل عن ولاية مصر في صفر من عام 193 هـ وولى الرشيد بدلًا منه الحسن بن البحباح فكانت ولايته عامًا واحدًا.

ولاية الحسن بن البحباح. 193 ه إلى 194 هـ

تولى أمر مصر بعد عزل مالك بن دلهم في صفر 193 هـ. استمر على ولاية مصر حتى توُفي الخليفة هارون الرشيد في جمادى الآخر من السنة 193 هـ، ثار جندُ مصر على الحسن ثورةً كبيرة قُتل فيها من الفريقين الكثير ثم سكن الأمرُ بعض الشيء، جمع الخِراج من أهل مصر وأرسله إلى الخليفة، فبينما المالُ في قافلته في الطريق إلى الخليفة وثب أهل الرملة على أصحاب المال وأخذوه منهم فعُزل الحسن بن البحباح عام 194 هـ، وولى عوضًا عنه حاتم بن هرثمة.

ولاية حاتم بن هرثمة. 194 هـ إلى 195 هـ.

تولى حاتم بن هرثمة ولاية مصر بعد عزل الحسن بن البحباح عنها في عام 194 هـ، وكانت غير مستقرةً بسبب ثورات الأحواف فالتقى بهم في بلبيس فصالحهم على الخِراجِ المُتفق، لكنهم ثاروا عليه بعد ذلك فخرج إليهم في جيشٍ ثم انتصر عليهم وأسّر العديد من قادتهم ثم اتجه بهم إلى الفسطاط كرهائن.

استمر حاتم بن هرثمة على ولاية مصر بعد ذلك، فمهد الأمور وأخمد الثورات، واستطاع السيطرة على الفِتن، وبنى القبة المعروفة بقبة الهواء وكانت في موقع القلعة الحالي، ودام على ذلك حتى أتاهُ الخبرُ بتعيين جابر بن الأشعث واليًا على مصر وعزله من منصبه وكان ذلك في جمادى الآخر عام 195 هـ فكانت ولايته على مصر عامٌ ونصف.

ولاية جابر بن الأشعث. 195 هـ إلى 196 هـ

تولى جابر ولاية مصر بعد عزل حاتم بن هرثمة عام 195 هـ، وكان هذا العام هو العام الذي شهد الحروب بين الأخوين الأمين والمأمون أولاد هارون الرشيد، وكان الأمرُ قد بدأ من عند الأمين حيثُ قررّ عزل ولاية العهد عن أخيه المأمون ومنحها لابنه الرضيع موسى، وكان هذا نقضٌ للمعاهدة التي قطعها عليهما أبوهما هارون الرشيد وعُلقت نتائجها في الكعبة، وحصلت بينهما فتنةٌ عظيمة، انتهت بمقتل الأمين وتولي المأمون الخلافة في عام 198 هـ.

وثب عصبة المأمون في مصر بقيادة السري بن الحكم لما علموا بترنح جيش الأمين، ودعا السري بن الحكم الناس في مصر لمبايعة المأمون وخلع الأمين، ففعل خلقٌ كثير ذلك، وحاول جابر بن الأشعث أن ينقذ ما يُمكن إنقاذه فخرج بجيشٍ لملاقاة السري بن الحكم، لكن السري هزمه هزيمة كبيرة وظفر به وطرده من مصر شر طرده، فكان خروجه من مصر في جمادى الآخر عام 196 هـ، فكانت ولايته عامٌ تقريبًا.

ولاية عبَّاد بن محمد. 196 هـ إلى 198 هـ.

عيَّنه المأمون على مصر، وكان الأمر لم يستقر لهُ بعد، فلما علِّم الأمين أن جابرًا أميره على مصر خرج بتلك الطريقة وأن المأمون ولى عبَّاد بن محمد على مصر كتب إلى ربيعة بن قيس وكان رئيس القيسية المقيمين في الحوف، كتب إليه بولاية مصر ثم كتب إلى أتباعه يأمرهم بإعانته، وكان عبَّاد رجلًا ذا هيبة، رفيقًا بالرعية وكان صاحب سياسةٍ ومعرفة بالحروب.

لما دخل عبَّاد مصر كان أغلب من بها يميلون إلى الأمين، فسايس أكثر الناس حتى مالوا إلى دعوته وإلى إمامه، كاد الأمرُ أن يتمَّ له لولا تكاثر القيسية عليه، لأنهم استطاعوا أن ينتصروا عليه وأن يُسلموه إلى الأمين، الذي قتلهُ وقال هذا نابٌ من أنيابِ عساكرِ المأمون. فكانت إمارتهُ على مصر سنة وسبعة أشهر انتهت في صفر عام 198 هـ. وبالرغم من أن الأمين قتله إلا أنهُ لم يستطع أن يولي له واليًا على مصر، لأن المأمون تمّ له الأمر بعدها بأشهر قليلة وولى المطلب بن عبدالله.

ولاية المطلب بن عبدالله. 198 هـ.

ولاهُ المأمون مصر بعد القبضِ على عبَّاد وقتله وذلك في صدرِ عاك 198 ه، وكانت الأمصار الإسلامية كُلها غارقةً في الفِتَنِ وعين على الشرطة أربع أشخاص في مدة يسيرة وكان يعزلهم الواحد تلو الآخر، وكان أهلُ مصر في انقسام، ما بين الأمين وأخيه المأمون كبقية الأمصارِ الإسلامية في العالم، وكان المطلِبُ رفيقًا إلى حد كبير في التعامل مع من خالفوه في الرأي فعزلهُ المأمونُ بالعباسِ بن موسى متأخرًا في سنة 198 هـ فكانت ولايته على مصر سبعةُ أشهرٍ.

ولاية العباس بن موسى. 198 هـ إلى 199 هـ.

تولى العباسُ بن موسى ولاية مصر بعد عزل المطلِّبِ عنها، وأتى ابنهُ إلى مصر في صحبة الإمام الشافعي رحمه الله، وكان ذلك في شوال عام 198 هـ وكان أول ما قام به عبدالله ابنه أن حبَسَ المطلب، وكان متشددًا على أهلِ مصر، فكرهوه وحاربوه وثار عليهم جُند مِصر أيضًا ثم قاتلوه فأخرجوه خارج مصر وأخرجوا المُطلِّبَ من سجنه.

لما وصلَّ الخبرُ إلى العباسِ أقبلَ مُسرعًا، ووصل بلبيس وطلب أن يلتقي بالقيسية من أهل الحوف لكنهُ ماتَ هُناك، ويُقال أن المُطلب هو من دسَّ لهُ السُمَّ فكان موته في جمادى الآخر عام 199 هـ.

والغريبُ أن العبَّاس لم يكن وليًا فعليًا على مصر ولم يحكمها يومًا واحدًا، نابَ عنهُ ابنهُ حتى أُخرِجَ من مصر وقِيل قُتل، ولما أتى هو دُسَّ لهُ السمُ فمات قبل أن يجد من ينصرهُ.

ولاية المطلب بن عبدالله الثانية. 199 هـ إلى 200 هـ.

ولى المطلِبُ نفسه وولاهُ المصريون بعد مقتلِ عبدالله بن العباس، فرفق بالرعية وأجزل للناسِ أعطياتها فتوحدَّ الجُند مرةً أخرى على يديه، وقويت شوكتهُ بالناسِ وأخرج من كان في شيعة عبدالله والعباس ولما قدِّم العباسُ نفسه إلى مصر دسّ له السُمَّ حتى قتله، وكان قد وقعت بينهما أمورٌ وحروب.

لم يجد المأمون مفرًا من أن يُقِرَهُ على مصر، خاصةً لما وجد من ترحابِ المصريين بهِ وبحكمه، ومع احتدام القتالِ بين المأمونِ وبين أخيه الأمين، ثم لمَّا تمَّ للمأمون الأمر كاملًا عزّل المُطلِبَ وعين بدلًا منه سريُّ بن الحكَم.

لكن المُطَّلِبَ لم يُرِد أن يترُكَ ولاية مصر بتلك السهولة، خاصةً لما رآه من الحبسِ ومحاربة العباسِ وابنه، فتصدى لسري بن الحكم، وأشار عليه قادةُ جُندِهِ بالثباتِ والقتالِ ضد  سري بن الحكم، لكن السري كان قد جاءهُ بجيشٍ كبير واستطاعَ بعد مقتلة عظيمة بين الفريقين أن يظفر بمصر وخرج المُطلِبُ هاربًا إلى مكة وأمن سري بن الحكم المصريون ثم دخل إليها. وكان حُكم المطلب هذه المرة سنة وسبعة أشهر. وكان هروبه في عام 200 هـ.

ولاية سري بن الحكم. 200 هـ إلى 201 هـ.

تولى أمر مصر بعد أن صالحهُ أهلُها وجُندها في رمضان من العام 200 هـ، واستمر في إصلاحِ أمورها، لكن بعضَ جُندِ مصر ثاروا عليه مجددًا في ربيع الأول عام 201 هـ، وحدثت بينهم أمورٌ كثيرة، انتهت بعزلهِ من قبل المأمون وقيل أنهُ هو من خرجَ من مصر واستعفى من الإمارة، وقيل أن الجُندَّ قبضوا عليه. وعيَّن المأمونُ من بعده سُليمان بن غالب. وكانت ولايته الأولى تلك 6 أشهرٍ فقط.

ولاية سليمان بن غالب. 201 هـ.

تولى سليمان بن غالبٍ ولاية مصر بعد عزل سري بن الحكم عنها بأمرِ المأمون، وأجمع عليه الجُندُ وأهل مِصر ثم ما لبِثَ أن ثارَ عليهِ الجُندُ مجددًا، فعزلهُ المأمونُ وأرسلَ سرِّي بن الحكم مجددًا، وانتقل سُليمان بن غالب ليُجاوِرَ المأمون وكان أحد أبرزِ قادتهِ. وكانت ولايته ثلاثةُ أشهرٍ فقط في عام 201 هـ.

ولاية سري بن الحكم الثانية. 201 هـ إلى 205 هـ

لما أتى كِتابُ المأمونِ بعزل سليمان بن غالب وتعيين سري بن الحكم ثانيًا في شعبان من العام 201 هـ، اتجه سري بسرعةٍ فائقة إلى العسكر، وعمد إلى توطين إمارته في مصر وأصغى إلى المصريين في كثير من الأمور وأصلح ما بينه وبينهم، وعين على الشرطة أكثر من أربعةِ أشخاصٍ، غيَّرهم بطلباتِ المصريين، ثم لمَّا تمَّ لهُ الأمر انتقَلَ إلى القبضِ على من حاربه أولَ ولايته، وتتبَّع جميعَ من كانوا سببًا في حبسِه أو إخراجه من مصر، فأخرجَ كثيرًا ممن عادوه وحبسَ آخرين.

أحسنَ سري بن الحكَمِ إلى أهلِ مصرَ فأحسنوا إليه، وأصلحَ أحوالهم فصلحَ بهم حالُه، وكان هو أول من أمر بالبناء المدني بالقربِ من العسكر، فبنى المصريون قريبًا من المدينة حتى اتصلَ عمارُها بالفسطاط. قضى على أهل الحُوفِ وفتنهم وثوراتهم، ورضي عنه الناسُ وتمت لهُ الأحوالُ في مصر إلى أن تُوُّفي في جمادي الأولى عام 205 هـ فكانت ولايته قريبةً من أربعِ سنوات، أو ما يساوي تحديدًا ثلاثُ سنواتٍ وتسعُ شهورٍ.

 

 

ولاية محمد بن سرِّي بن الحكم. 205 هـ إلى 206 هـ.

ولاهُ المأمونُ على مصر بعد وفاةِ أبيه، وكان توليهِ في جمادى الآخر في عام 205 هـ، ولما تولى مصر كان قد خرج أحد بأسفل مصر يُقال له الجروي  قد خرجَ عن الطاعة، تهيأ محمد لقتاله وخرج على رأسِ جيشهِ وحدثت بينهما معاركٌ كثيرة، وبينما هو في ذلك إذ لزم الفراش ومات وكان ذلك في شعبان عام 206 هـ.

كانَ مُحمدًا شابًا عاقلًا مُدبرًا حازمًا، أصلح الأحوال في مصرَ وأخمد الفِتن وحارب الجروي وجرت بينهما جولاتٌ عدة، وأحبهُ المصريون وأحبهم، لكنُ ماتَ فكانت ولايته سنة وشهرين.

ولاية عبيد الله بن سري بن الحكم. 206 هـ إلى 211 هـ.

بايعهُ الجنودُ بعدَ موتِ أخيه في عام 206 هـ، وحدثت بينه وبين الجروي كثير من الأمور منها أن المأمون أرسلَ خالد بن يزيد لإمارة مصر، فرفض عبيد الله التسليم، وأصَّر على أحقيته بإمارة مصر، وأرسل أخاه أحمد لملاقاة خالد بن يزيد وكان الجروي قد انضم إلى جيش خالد، واستطاع جيش عبيد الله أن ينتصر وتقهقر خالد بن يزيد وأُسِر وتصالح على الخروجِ من مصر.

لكن علي الجوري كان ما زال يُناوِشُ عبيد الله، خاصةً بعد إقرار المأمون له على ما في يدهِ من الأراضي وإقرار عبيد الله كذلك على ما في يده، فطلب من أهل الحوف الخِراجَ والضرائب فاستنجدوا بعبيد الله وكانت الغلبة لعبيد الله.

لما حدث ذلك، حدث عبيد الله نفسه بالاستقلال بحكم مصر، بعيدًا عن حكم المأمونِ وخلافته، خاصةً لما شاهدهُ من حالاتِ التخبطِ والفتن، فلما بلغ المأمون ذلِكَ طلب عبدالله بن طاهر وهو أحدُ أبرز قادتهِ، فقال لهُ أنهُ استخار الله وأنهُ موليهِ مصرَ لمقاتلة الخوارج بها، فأجاب عبدالله بن طاهرٍ بالسمع والطاعة، فعقد له المأمون لواءً كُتِبَ عليه ألقابُه وزاد عليه “يا منصور”.

انطلق عبدالله بن طاهر إلى مصر في جيشٍ كبير، واستعد لهُ عبيد الله بحفر خندقٍ حول الفسطاط والعسكر، والتقى بجيشِ عبدالله بن طاهر، وكان القتالُ شديدًا بين الفريقين ثم كانت الهزيمة في جيش عبيد الله وسقطَ أغلبُ جندِ عبيد الله بن سري بن الحكم في الخندق الذي بنوه، ثم تقهقر هو وبعضُ جُندِه فتبعهم عبدالله بن طاهر وضيق عليهم وحاصرهم فطلب عبيد الله بن سري الأمان المشروط ثم لما لم يوافق عبدالله بن طاهر على شروطه طلب الأمان الغير مشروط فكان لهُ الأمانُ الذي طلب، ثم بذل إلى عبدالله بن طاهر الأموال وذهب إلى المأمون فأكرمه المأمون وعفا عنه. وكانت ولايته على مصر مدة أربع سنين وسبعة أشهرٍ إلا ثمانية أيام انتهت في صفر عام 211 هـ.

ولاية عبدالله بن طاهر. 211 هـ إلى 212 هـ.

قال أحد علماء مصر في تلك الفترة: “قدم علينا من قِبَل الشرق، فتى حدث -عبدالله بن طاهر- والدُنيا عندنا مفتونة، قد غلب على كل ناحية من بلادنا غالب، والناسُ منهم في بلاء، فأصلح الدُنيا، وأمَّن البريء، وأخافَ السقيم، واستوسقت لهُ الرعية بالطاعة”.

دخل عبدالله بن طاهر مصر في ربيع الأول عام 211 هـ، فكان أول ما فعلهُ أن ردَ عبيد الله بن سري بن الحكم وأمره بالسفرِ إلى المأمون، ثم ذهب إلى الأسكندرية لجلاءِ مجموعة من المغاربة الأندلسيين استغلوا الفِتن في مصر ودخلوا إليها.

كانت له علاقة جيدةٌ جدًا بالمأمون، فحدث ووشى أحدٌ له وشايةَ سوء فاختبره المأمون فنجح في اختبارهِ له فأجابَ المأمونُ عنه قائلًا: “ذلك غرس يدي، وإلف أدبي، وترب تلقيحي”.

وكان حالهُ في مصر عظيم، فقد استطاع أن يستأصل جذور الفِتَنِ، ومهَّد البلادَ وأصلح أحوالَ العِبادِ، فكان من مناقبه أنهُ قسم خِراجَ مصرَ كله على الفقراءِ والمساكين، فأحبَهُ المصريون. يُنسبُ إليه البطيخُ العبدلي وسُمى باسمه لأنهُ أول من زرعهُ بمصر.

أقام عبدالله بن طاهرٍ على إمرة مصر عامًا وخمسة أشهرٍ ثم خرج إلى المأمونِ واستخلفَ من ورائهِ عيسى بن يزيد الجلودي، وركبَ البحرَ فتلقاه ابن المأمون العباس وأخوه المعتصم وأعيانُ القوم، فاستقبله المأمونُ استقبالًا حافلًا ثم ولاهُ خراسان.

ولاية عيسى بن يزيد الجلودي. 212 هـ إلى 214 هـ.

تولى ولاية مصر بعد استخلاف عبدالله بن طاهر له على مصر، فلما صرف المأمون عبدالله بن طاهرٍ عن مصر ولى عليها أخوه المعتصم أقره المعتصم على ولاية مصر وجعل صالح بن شهرزاد على خِراج مصر فكان ظالمًا للناس وزاد عليهم الخِراج، فخرج عليه أهل الحوف وعسكروا ضده ووقف عيسى بن يزيد إلى جوارِ صالحٍ صاحبه. فلما بلغ ذلك المعتصم عزله عن مصر وولى من بعده عمير بن الوليد التميمي. فكانت ولايته تلك سنة وسبعة أشهر انتهت في صفر 214 ه

ولاية عمير بن الوليد التميمي. 214 هـ.

عمير بن الوليد التميمي، تولى إمارة مصر من قبل المعتصم وذلك لأن المأمون ولاهُ مصر بعد عزل عبدالله بن طاهرٍ عنها، فصارَ ولاة مِصر يأتونَ من عنده وكانت ولايته في صفر 214 هـ، وأول ما تولى إمارة مصر خرج عليه القيسية واليمنية المقيمين بالحوف، فتجهز لهم بجنوده وعساكره وكان أحد قادته عيسى بن يزيد الجلودي المعزول عن إمرة مصر، وكانت بينهم معركة عظيمة قُتِلَ فيها عمير فكانت ولايته على مصر شهرين فقط. انتهت بمقتله في 16 ربيع الأول 214 هـ.

ولاية عيسى بن يزيد الجلودي. 214 هـ إلى 215 هـ.

تولى عيسى بن يزيد ولاية مصر مرة ثانية بعد مقتل عمير وكانت ولايته من قبل المعتصم،  فاجتمع عليه القيسية واليمنية من أهل الحوف وزادوا وعاثوا في الأرضِ أشد ما عاثوا، وقاتلهم في منطقة منية مطر المسماة حاليًا بالمطرية والقريبة من عين شمس، لكنهُ هُزم وقتل من جنوده الكثير وتقهقر وعاد إلى الفسطاط واستمر حِصارُه.

في الوقت نفسِه بلغ ذلك إلى المأمون، فطلب أخاهُ المعتصم وهو ولي عهده والمسئول الأول أمامه عن مصر، فقال له: “امض إلى عملك وأصلح شأنه”. وبالفعل خرج المعتصم في أربعة آلاف من جنودهِ التُرك وقدم مصر في أيام قليلة وعيسى بن يزيد مُحاصر مع قليل من جنوده.

قبل أن يدخل إلى الفسطاط أو العسكر، قاتل أهل الحوف وهزمهم ووضع السيف في نحورِ من تصدى له واستطاع أن يفنيهم، فما بين قتيل أو طريدٍ أو أسير كان حالُ أهل الحوف من القيسية أو اليمنية ولم يستغرق ذلك كله خمس شهور، فاستطاع أن يُصلح الأحوال ويجمع له الكلمة في مصر، وسكن العسكر فترة قبل أن يغادرها ويعزل عيسى بن يزيد ويعين بدلًا منه عبدويه بن جبلة فكانت ولاية عيسى بن يزيد لا تزيد عن ثمان أشهر. وكان عزله في المحرم من العام 215 هـ.

ولاية عّبْدَوَيْهِ بن جبلة. 215 هـ إلى 216 هـ.

ولاهُ المعتصمُ أمر مصر نيابة عنه في المحرم عام 215 هـ فعمل على إكمال ما بدأه المعتصم، فأصلح الأمور لكنهُ فوجئ بجيشٍ من القيسية واليمنية يتجهز للخروجِ عليه من الحوف مرة أخرى، فحاربهم وانتصر عليهم ثم أتاه الأفشين والي حمص طالبًا منه الخِراج فقاتله وامتنع ثم  صُرف عن ولاية مصر في بداية عام 216 هـ.

ولاية عيسى بن منصور. 216 هـ.

تولى أمر مصر من قبل المعتصم بعد عزل عبدويه بن جبلة في بداية عام 216 هـ، في أثناء ولايته انتفض عليه أهل الحوف وأهل الغربية مرة أخرى ومعهم أقباط مصر وساروا نحو الفسطاط والعسكر وتجهزوا لقتاله فتقهقر وانهزم وأخرجوه من شر إخراج وكان ذلك لسوء سيرته وأخرج معه مسئول الخراج في دولته.

وصل الأفشين من برقة، وهو حيدر بن كاوس وكان أحد قادة المعتصم المقربين في ذلك الوقت للسيطرة على ما يحدث في دلتا مصر ومن قبطها، فتجهز الأفشين ومعه عيسى بن منصور وكانت المعركة في شوال فانتصر جيش الأفشين وعيسى بن منصور وكانت أول معاركهم في الغربية ثم اتجهوا إلى أهل الحوف فقاتلهم وقتل منهم عددًا كبيرًا وأسر منهم مجموعة كبيرة كذلك واستمرت الحروب مستمرة والفتن تتزايد طيلة هذا العام إلى أن وصل أمير المؤمنين.

وصل أميرُ المؤمنين الخليفة عبدالله المأمون فسخط على عيسى بن منصور وعزله وحمله كل ما يحدث بمصر وأحضر رؤوس الفتنة في مصر فقتلهم وكان من بينهم عبدوس الفهري، ثم اتجهوا مرة أخرى إلى الغربية لقتال القبط فقاتلوهم وقتلوا منهم وأسروا وسبوا وقمعوا أهل الفساد والفتن في مصر قمعًا كبيرًا.

أقام المأمون في مصر تسعًا وأربعين يومًا بين سخا والفسطاط وحلوان، أصلحَ الأمورَ فيها أيَّمَا إصلاح ومهد لأمير مصر الجديد كل شيء وعيَّن كيدر على مصر وانصرف بجنده إلى الشام.

ولاية كيدر نصرٌ بن عبدالله. 217 هـ إلى 219 هـ.

ولاهُ أميرُ المؤمنين عبدالله المأمون على مصر في أثناءِ وجوده فيها، ودام كيدرُ على ولاية مصر يُمهد أمورها ويصلح أحوالها ويتمم أمر المأمون فيها إلى أن وصلهُ كتاب المأمون في جمادى الآخر عام 218 هـ بأخذ الناس بمحنة خلق القرآن، وامتحانهم فيه، وكان قاضي مصر هارون بن عبدالله الزهري يرى ذلك أيضًا، واستمروا في أخذ أقول الناسِ من العلماء والفقهاء والقضاة، فمن قال بخلقِ القرآن كان مشهودًا لهُ بالصلاح ومن لم يقل اسقطت شهادته.

وكان مبررهم في ذلك قول الله: “إن جعلناه قرآنًا عربيًا” والله يقول على ما خلق أنهُ جعله، فقال: “وجعل الظلمات والنور”. وقال المأمون في هذه الفتنة قولته الشهيرة على إمام أهل السنة أحمد بن حنبل لما أفتى بأن القرآن كلام الله وأنهُ غير مخلوق قال المأمون في ذلك: “أما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد علم فحوى مقالته واستدل على جهله وآفته بها”. وحُبس أحمد بن حنبل وعُذب رضي الله عنه طيلة في أثناء حكم المأمون إلى وفاته ومن بعده في عصر أخيه المعتصم ثم في عهد الواثق إلى أن أخرج من السجن في عهد المتوكل.

وفي مصر، كان كيدر يمتحنُ الناسَ برفقة قاضيه حين جاءه الخبرُ بموتِ المأمون وتولى أبي أسحاق المعتصم على ولاية مصر وأقره المعتصم على حكم مصر وأمرهُ بإسقاط العرب من الديوان فخرج عليه يحيى بن الوزير الجروي فتجهز كيدر لمحاربته، لكنه مات في ربيع الآخر عام 219 هـ، واستخلف قبل موته ابنه المظفر فأقره المعتصم.

ولاية المظفر بن كيدر. 219 هـ.

أقره المعتصم على ولاية مصر بعد موتِ أبيه وكانت أيامهُ قليلة جدًا استطاع فيها أن يكسر شوكة يحيى بن الوزير وفعل ذلك فعلًا، ثم استمر في امتحان الناس في محنة خلق القرآن، وكانت أيامه على قلتها مليئة بالشرور فلم يبكِ المصريون على الأربعة أشهر التي قضاها في مصر.

ولاية موسى بن أبي العباس. 219 هـ إلى 224 هـ.

عيَّن المعتصم قائده التركي أبو جعفر أشناس على ولاية مصر، ففعل كما كان يفعل المعتصم أيام المأمون وكان أشناس قائدًا شجاعًا قويًا ذو بأس، فولى أشناس موسى بن أبي العباس نائبًا له على مصر، فتولى موسى بن أبي العباس ولاية مصر في رمضان عام 219 هـ بعد عزل المظفر بن كيدر عنها، وفي أول أيامه بمصر ثار عليه أهل الحوف كما العادة مع ولاة مصر كلهم، لكن سرعان ما سكنت الأمور وصلح الحالُ بينهم وبينه.

كان موسى قاسيًا جدًا مع ممن خالفوا المعتصم في محنة خلق القرآن، فأباد وسجن وسحل الكثير ممن قالوا بأن القرآن ليسَ مخلوقًا حتى هدأت له الدنيا في مصر وأصبح غالِبُ من فيها يُذعنون بالقولِ بخلقِ القرآن. استمر موسى على ولاية مصر إلى أن عزله أشناس في ربيع الأول عام 224 هـ فكانت ولايته على مصر أربع سنين وسبعة أشهر.

ولاية مالك بن كيدر. 224 هـ إلى 226 هـ.

مالك بن كيدر ولاية مصر بعد عزل موسى بن أبي العباس عنها وذلك عام 224 هـ، وهو ابن نصر الملقب بكيدر الذي توفى وهو والٍ على مصر عام 219 ووليها أخوه المظفر أيضًا لأربعة أشهر فقط، ولاهُ القائد التركي أبو جعفر أشناس نائبًا له وواليًا للخلافة العباسية على مصر، وكان مالك حكيمًا راشدًا عاقلًا، عامل الناس بالسياسة فعاملوه بالحُسنى ولم يذكر في عهده أن كانت مناوشات أو ثورات، فقد كانت له هيبته وكان وقورًا.

استمر في ولاية مصر إلى أن صُرِفَ عنها عام 226 هـ فكانت ولايته على مصر عامين.

ولاية علي بن يحيى. 227 هـ إلى 228 هـ.

تولى أمر مصر بعد أن عُزلَ عنها مالك بن كيدر، ولاهُ أشناس في ربيع الآخر عام 226 هـ، واستمر في إصلاح الأمور في مصر إلى أن ورد عليه كتاب وفاة الخليفة المعتصم عام 227 هـ وبيعة ابنه الخليفة هارون الواثق من بعده، وأقره الخليفة الجديد على ولاية مصر ووقعت له بعض الأمور مع قاضي مصر الذي كان اسمه هارون بن عبد الله الزهري فعزله وولى عوضًا عنه محمد بن أبي الليث فتولى محمد قضاء مصر لعشر سنوات قادمة.

استمر علي بن يحيى على ولاية مصر إلى أن عزله عنها هارون الواثق بدون سخط عليه في نهاية عام 228 هـ فكانت ولايته على مصر عامين وثمانية أشهر.

ولاية عيسى بن منصور (الثانية) 229 هـ إلى 233 هـ.

تولى عيسى بن منصور ولاية مصر بعد عزل علي بن يحيى عنها عام 228 هـ، وكانت هذه ولايته الثانية على مصر بعد أن وليها عام 216 من قبل الأفشين ثم لما دخل المأمون مصر سخط عليه وعزله عن مصر، ولاهُ أبو جعفر أشناس القائد التركي على ولاية مصر ودام بمصر إلى أن توفي أبو جعفر أشناس عام 230 هـ، ثُم عيَّن الواثق القائد التركي إيتاخ ليكون تصريف أمور مصر في يده كما كان في يد أشناس فأقرَّ عيسى بن منصور على مصر، وكانت إنابة أشناس على مصر اثنتي عشرة سنة.

وكان عيسى قائدًا عاقلًا مدبرًا، عمل على الإصلاح والسياسة وتوطيد الأمور، وظل في ذلك إلى أن توفي الواثق في عام 232 هـ وتولى أخوه المتوكل الخلافة، فأرسل لعيسى بن منصور يأخذ منه بيعة المصريين فأخذ عيسى بن منصورٍ له البيعة.

عزله المتوكل في ربيع الأول عام 233 هـ عن إمارة مصر ليولي عوضًا عنه الأمير هرثمة على مصر. ولم تطل أيام عيسى بعد عزله فمرض ولزف الفراش وتوفي بقبة الهواء في مصر عام 233 هـ بعد عزله بشهرٍ واحد.

ولاية هرثمة بن نصر الجبلي 233 هـ إلى 234 هـ.

تولى هرثمة بن نصر ولاية مصر من قبل الخليفة المتوكل بعد عزل عيسى بن منصور عنها وأقره في ذلك نائب الخلافة التركي إيتاخ، وورده كتابٌ في أول ولايته بإبطال القول بخلق القرآن والرجوع إلى السنة.

وسبب ذلك أن هارون الواثق كان قد تاب ورجع عن مقولته بخلق القرآن، وأتَّم ذلك المتوكل فرفع الحرج عن القول بذلك وأتمَّ السنة وعمل بها، وكان هرثمة بن نصر والي مصر كذلك، مُحبًا للسنة وفرح الناس بذلك وأحبوا ذلك فيه ومنه وأحبَّ الناسُ ولايته واستبشروا بها وكان عاقلًا مدبرًا حكيمًا عادلًا، لكنه لم يدم طويلًا فمرضَ ومات بمصر وهو واليها، فكان موته في عام 234 هـ، فكانت ولايته عامٌ واحد. وولى من بعده ابنه حاتم بن هرثمة وهو في مرض موته.

ولاية حاتم بن هرثمة. 234 هـ.

تولى حاتم بن هرثمة ولاية مصر بعد استخلاف أبيه له عليها، فأقره عليها إيتاخ التركي نائب الخلافة على مصر وأقره المتوكل بالله الخليفة العباسي، لكنه لم يكن على وفاق مع إيتاخ فعزله عن مصر بعد شهرٍ واحدٍ من ولايته، وكان رحمه الله جليلًا نبيلًا يُحسن التصرف، لكنه لم يتفق هو وإيتاخ لطمعٍ كان في التركي الذي تولى نيابة مصر بعد وفاه أشناس. فكانت ولاية حاتم وعزله في عام 234 هـ.

ولاية علي بن يحيى. 234 هـ إلى 235 هـ

تولى علي بن يحيى ولاية مصر ثانيًا بعد عزله في المرة الأولى عام 228 هـ، وكانت ولايته هذه المرة بعد عزل حاتم بن هرثمة عام 234 هـ، واستمر على ولاية مصر إلى أن قبض الخليفة المتوكل على الله على إيتاخ وحجر على أمواله، ففعل ذلك علي بن يحيى ولكنه ظلَّ يدعو له على المنابر في مصر حتى ولى المتوكل ابنه وولي عهده المنتصر نيابته على مصر فأصبح يصدع باسمه في المنابر بدلًا من إيتاخ، وكانت نيابة إيتاخ على مصر نحوًا من أربع أعوام.

وكان علي بن يحيى أميرًا شجاعًا مقدامًا، عادلًا عالمًا بالأمور مُدبِرًا سيوسًا أحبه الرعية في ولايته، عزله المنتصر عن ولاية مصر لحاجة المتوكل إليه وقدم هو المتوكل وكان ضمن أبرز قادته، وكان ذلك في نهاية عام 235 هـ.

وجهزه المتوكل لقتال الروم في عام 239 هـ، وأوغل في الفتوحات حتى وصل إلى أطراف القسطنطينية، ثم استشهد بعد ذلك في قتاله مع الروم عام 249 هـ.

ولاية إسحاق بن يحيى على مصر. (الثانية) 235 هـ إلى 236 هـ.

تولى إسحاق بن يحيى ولاية مصر بعد عزل علي بن يحيى الأرمني عنها للمرة الثانية، وتمت لهُ الولاية في ذي الحجة من العام 235 هـ، وكان إسحاق واليًا للمأمون على دمشق وتولاها مجددًا في أيامِ أخيه المعتصم فكانت ولايته طويلة على دمشق ثم نقله المنتصر من ولاية دمشق إلى ولاية الشام في أثناء ولاية أبيه المتوكل. وكان واليًا عادلًا رفيقًا بالرعية، وكان يعمل بالسياسة وبالرفق حتى في أيام أمره المأمون والمعتصم بامتحان الناسِ بخلقِ القرآن.

وفي عهده أمر المتوكل بإخراجِ الأشرافِ العلويين من مصر، وكان ذلك بعد أن أمَّر بهدم قبر الحسين والعلويين، وكان ذلك لما شاع في العراق أن الشيعة يحجون إلى قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولما وصله كتاب المتوكل بإخراج العلويين، أخرجهم من غير إفحاشٍ في أمرهم، واستمر بعد ذلك فترة يسيرة ثم عزله المتوكل بنهاية عام 236 هـ، فكانت ولايته على مصر سنة إلا بعضُ أيامٍ.

ولاية عبدالواحد بن يحيى على مصر. 236 هـ إلى 238 هـ

هو عبدالواحد بن يحيى بن منصور بن طلحة، تولى إمارة مصر من قبل المنتصر الذي كان متصرفًا بشئون مصر كما كان أشناس وإيتاخ. استمر في ولاية مصر إلى أن أرسل له الخليفة المتوكل بأن يحلق لحية قاضي مصر أبي بكر محمد بن أبي ليث وأن يضربه ويطوف به على حمار، ففعل عبدالواحد ما أمر به الخليفة ثم سجن قاضي القضاة هذا وكان من الجهمية، وهي طائفة من المعتزلة والتي تعد أحد الفرق الضالة.

ولى عبدالواحد بن يحيى الحارث بن مسكين بعد أن كان ممتنعًا زاهدًا، وكان ممن قالوا في وجه المأمون بأن القرآن غير مخلوق وحُبس حتى أخرجه المتوكل إلى مصر وكان لا يخشى في الله لومة لائم أبدًا، وكان يصدعُ بالحقِ لا يأبهُ بالقيلِ والقال.

ظلَّ عبدالواحد بن يحيى واليًا على مصر حتى عُزل عنها عام 238 هـ.

ولاية عنبسة بن إسحاق على مصر. 238 هـ إلى 242 هـ.

تولى عنبسة أمور مصر في عام 238 هـ من قبل المنتصر وكيل ونائب المتوكل على مصر وبإقرار المتوكل بالله جعفر خليفة المسلمين، كان يُتَّهم بأنه من الخوارج غير أنه لم يكُن كذلك، كان منصفًا عادلًا أمر عمالَهُ بردِ المظالم، وخلَّص الحقوق، وأنصف الناس غايةً في الإنصاف، كان يتوجه إلى المسجد ماشيًا من دارِ الإمارة إلى المسجدِ الجامع (مسجد عمرو بن العاص) وكان يمشي في رمضان قبل الفجر يُنادي السَحور… السحور. قال عنه بن حزم لم يتول مصر لبني العباس مثله، كان عادلًا باحثًا عن الحق، ويعدُ عنبسةُ آخر ولي عربي لمصر، وآخر أميرٍ صلى بالناسِ وخطب.

في السنة الأولى لولايته نزل الروم بدمياط وعاثوا فيها فسادًا فسرقوا وقتلوا ونهبوا وسبوا، فلما بلغه ذلك ركب في حينها إلى دمياط في جنوده وعساكره ففَّر الروم في حينها عن مصر بعد أن هزمهم، فأصلح الشئون الداخلية لدمياط ثم عاد إلى العسكر مجددًا.

خرج بعض أهل الصعيد ومعهم أهل السودان عليه وامتنعوا عن أداءِ الخراج واعلنوا العصيان في عام 240 هـ، وكاد الأمرُ ينقلبُ إلى فتنة كبيرة، وصُعد الأمر إلى المتوكل وكان قلقًا من انتشار أمرهم نظرًا لقوة تحصنهم وبعدهم عن الأراضي الإسلامية، وكانوا كما يذكر عنهم كالحيوانات المتوحشة لا يرتدون ملابسًا إلى ما يستر العورة، لكنهم أقوياءُ جدًا يسكنون الطبيعة ولا يجمعهم دين فيتزوج الرجل ما يشاء من أخته أو غيرها، يتشابهون مع البهائم إلى حد كبير، فلما بلغ ذلك محمد بن عبدالله القمِّي وكان قائدًا يُعرف عنه الكياسة والشجاعة والفطنة، ذهب إلى وزير المتوكل فقال له أنه متى أمرهُ المتوكل بتجهيز الجند فإنه لديه من الدهاء ما ينفذُ به إلى هُناك ويستطيع إخماد تلك الفتنة مع صعوبتها.

وبالفعل أرسل المتوكل إلى عنبسة بن إسحاق يوصيه بمحمد بن عبدالله القمِّي ويطلب منه أن يمده بالجند والخيل والسلاح، وبالفعل استطاع محمد بن عبدالله بعد معركة كبيرة برزت فيها حكمته وقيادته الحكيمة وحسن تدبيره أن يأسر قائد أهل السودان الملقبُ بعلي بابا وأرسله إلى الخليفة المتوكل ودخل عليه علي بابا تائبًا مُقبلًا الأرض بين يدي المتوكل، واستكمل عنبسة برفقة محمد بن عبدالله طريقهما في الاستقرار ووأد الفتن في المنطقة التي كانت تعج بالفتن.

استمر عنبسة بن إسحاق على ولاية مصر إلى أن تم عزلهُ بيزيد بن عبدالله بن دينار عام 242 هـ، فكانت ولايته على مصر أربع سنين وأربعة أشهر.

ولاية يزيد بن عبدالله على مصر. 242 هـ إلى 253 هـ.

هو يزيد بن عبدالله تولى أمر مصر بعد عزل عنبسة، وكانت ولايته في رجب سنة 242 هـ، استطاع يزيد أن يُمهد أمور الدولة ويقيم ما كان معووجًا فيها، وأصلح ما كان في خلل في العقيدة. منع النداء على الجنائز وصحح بعض الأمورِ في المسجد واستمر في ذلك إلى عام 245 هـ.

نزل الروم بدمياط واستولوا عليها فسرعان ما انطلق إليها لكنه لم يلق حربًا ومكث بدمياط مدة ثم عادَ إلى العسكر، فلما رجع إلى العسكر سمع بنزولهم مرة أخرى فذهب من وقته إلى هناك فكانوا قد هربوا مجددًا فمكث مدة ليست باليسيرة هُناك استطاعَ فيها إصلاح الأمور وتثبيت الجنود على هذه المدينة.

عطَّل سباق الخيول بمصر لما كانت له من أغراض في الرهان، وباع الخيلَ التي كانت تستخدم للسباق والرهان، ثم تتبع الشيعة في مصر وأبادهم وأخرجهم إلى العراق على أقبح وجه، ثم التفت إلى العلويين فضيق عليهم وشد وثاقهم وأخرجهم كذلك من مصر. وفي عام 247 هـ بنى مقياس النيل بالجزيرة الملقبة بالروضة بالجيزة.

دام يزيد على إمرة مصر إلى حين قُتل المتوكل ونائبه على مصر المسمى بالفتح بن خاقان وكان ذلك في شوال من عام 247 هـ وهو نفس العامِ الذي بني فيه مقياسُ النيل.

أقره الخليفة الجديد المنتصر على ولاية مصر واستمر إلى أن توفى المنتصر عام 248 هـ.

أقره المتسعين بالله الخليفة العباسي الجديد على ولاية مصر، ثم أرسل إليه المستعين يطلبُ منه استسقاءً لقحط كان في العراق، وكان المستعين بالله قد استسقى أهل الأمصارِ كلها لنجدة أهل العراق في هذا القحط، ودام يزيد بن عبدالله على مصر إلى أن تم خلع المستعين بالله عن الخلافة وكان ذلك عام 252 هـ.

تم خلع المستعين بالله لأمور وقعت في الخلافة وبويع مكانه أخوه المعتز بن المتوكل وكان ذلك عام 252 هـ، وفي ذلك الوقت اهتزت العديد من الأمصارِ والبلاد، وخرج رجلٌ يدعى جابر بن الوليد بالإسكندرية فحاربه يزيد بن عبدالله وظلت حربه لمدة كبيرة دون أن ينتصر أحدٌ من الطرفين، وأرسل يزيد إلى الخليفة المعتز بالله بعد أن عجز على أن يوقع به تمامًا أو أن يهزمه.

أرسل المعتز بالله إلى يزيد بن عبدالله الأمير مزاحم بن خاقان في جيش كبير، واستطاع الجيشان أن يهزما جابر بن الوليد وأن يبيدا عساكره ثم كتب يزيد بن عبدالله إلى الخليفة يعلمه بذلك، فجاء رد الخليفة المعتز بعزل يزيد بن عبدالله وتعيين مُزاحم بن خاقان على ولاية مصر وكان ذلك في شهر ربيع الأول سنة 253 هـ، فكانت مدة ولاية يزيد بن عبدالله على مصر عشر سنين وسبعة أشهر وعشرة أيام.

ولاية مزاحم بن خاقان على مصر. 253 هـ إلى 254 هـ.

تولى مزاحم بن خاقان ولاية مصر من قبل الخليفة المعتز بعد أن أثبت جدارته في المعارك ضد جابر بن الوليد بالإسكندرية ثم عزل الأمير التركي يزيد بن عبدالله، ولاهُ الخليفة المعتز مصر في عام 253 هـ، فأخذ في قمع الثورات وإيقافِ أهل الفساد عند حدهم، حاربَ أهل الحوف وخرج إليهم فقتل منهم الكثير وأصلح أحوال إقليم الحوف.

ثم توجه إلى قرية بالبحيرة يُقال لها تروجة فقاتل الكثير ممن كانوا بها وأسر قادتهم وعاد بهم إلى العسكر، ثو توجه إلى الفيوم فقاتل الناس هُناك أيضًا وكان شديدًا على أهل الأقاليم والنجوع.

ثم أوصى رئيس الشرطة وكان يُقال له أرخوز أوصاه بالشدة على الناس، فكان شديدًا يشتدُ على الناسِ في كل شيء، فمنع النساء من الخروج إلى الحمامات أو المقابر، ثم منَّع الناس من الجهر بالبسملة في الصلاة، وأمر بمساواة الصفوف في الصلاة وجعل رجلًا من الشرطة يقف ومعه سوط، فإن كان الصف غيرَ معتدلٍ ضرب الناسَ بالسوط وجعل الناس الذين يجلسون حلقات في المساجد إلى التحول إلى القبلة فور الأذان، ومنع المساند التي يستند إليها الناس في المسجد، واستمر في التشديد على الناسِ ومعاقبة الناس وعدم ملاطفة أي أحد، فكان سيء السيرة ثم مرض حتى مات وكان ذلك في الخامس من المحرم عام 254 هـ. واستخلف من بعده ابنه أحمد على ولاية مصر.

ولاية أحمد بن مزاحم على مصر. 254 هـ

تولى أحمد بن مزاحم ولاية مصر بعد موت والده مزاحم بن خاقان وأقره المعتز على مصر فكان ذلك في المحرم عام 254 هـ، وكان مغايرًا لسياسة أبيه رفيقًا بالرعية وكانوا محبين له، لكنه ما لبث أن مات في ربيع الأول من العام ذاته، فكانت ولايته على مصر شهرين فقط.

ولاية أرخوز على مصر 254 هـ.

تولى أرخوز ولاية مصر بعد وفاة أحمد بن مزاحم، وكان رئيس الشرطة لمزاحم بن خاقان وابنه أحمد، فولاه المعتز على مصر بعد وفاة أحمد بن مزاحم لما له من علم ومعرفة بأحوال مصر واستمر أرخوز واليًا على مصر من ربيع الأول إلى شهر رمضان فعُزل من قبل المعتز ووليَّ مكانه أحمد بن طولون فكانت ولايته على مصر حوالي خمسة أشهر وبعزل أرخوز وتولية أحمد بن طولون يبدأ عصرٌ جديد في تاريخ مصر وهو عصر الدولة الطولونية.

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق